والتقية عند الشيعة الإمامية ليست رخصة لحفظ النفس ودفع الأذى، ولكنها من الدين عندهم ليس لهم تركها مع المخالفين. وتجوز عندهم، بل تجب لأسباب كثيرة يتلون بها الشيعي بين الناس يظهر لهم الموافقة، ويبطن المخالفة، ويصير هذا دينه معهم حتى يُلبس عليهم دينهم، أو يتمكن منهم؛ فيفسد عليهم أحوالهم، لذا فلا دين عندهم لمن لا تقية له، وينسبون القول بذلك إلى أئمتهم كما مر بك قريبًا، ويمارسون ذلك مع المسلمين من بني جلدتهم. وهذا مما يبعث إلى عدم الوثوق بهم في عهودهم، وعدم تصديقهم فيما يقولون ويبدن ويظهرون من الأقاويل والعبارات؛ لأنهم لا يتورعون عن الكذب على خصومهم، ولا يتحرجون من المراوغة والمخادعة وإبداء خلاف الاعتقاد، وعكس ما في النفس من الحقد والبغض.
كان الشيعة -عبر تاريخهم الطويل- يظهرون معتقداتهم الدينية المخالفة لجماهير المسلمين؛ إذا ظهرت لهم دولة وقويت لهم شوكة، ثم يعودون إلى مداراة المسلمين، وإظهار مجاراتهم في الاعتقاد إذا زالت دولتهم وضعفت شوكتهم، وهم يرون أن العمل بالتقية لا ينتهي إلا بظهور الإمام الغائب.
ومن الأسباب التي أدت إلى قولهم بالتقية: أن أئمة آل البيت ثبت عنهم روايات في مدحهم لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والاعتراف بفضلهم وسبقهم إلى الخيرات حسب شهادة القرآن، والإقرار بخلافتهم وإمامتهم، وإعلان البيعة لهم عن عليٍّ وأهل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتزويجهم إياهم بناتهم، وإقامة العلاقة الطيبة والوثيقة معهم، وتبرؤهم من الشيعة، وذمهم وبيان فسادهم، فتحيروا وحاروا في هذا؛ إذ لا يقوم مذهبهم إلا بالتبرئة من أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-، والعداء الشديد لهم ولمن والاهم، وبادعاء ولائهم لأهل البيت وإظهارهم الإخلاص لهم، فلما رأوا هذا المأزق؛ لم يجدوا المخلص منه إلا القول بأن الأئمة ما قالوا هذا إلا تقية، وكانوا مع ذلك يبطنون خلاف ما يظهرون وما يقولون.