فهرس الكتاب
فهذه الرواية تفيد في بيان أحد أسباب القول بالتقية عند القوم، ولكن لا بد من بيان أمر هام قبل كل شيء: وهو أننا ننزه أئمة أهل البيت رحمهم الله عما في الرواية وأمثالها من مآخذ ومطاعن، ولكن إيرادنا لها هو لبيان أن قضية المساوئ المترتبة على القول بالتقية قديمة جدًا، وإن كان لا بد من حمل هذا الخبر على شيء فهو بيان أن أئمة أهل البيت وعلماء الرافضة - كما في صدر الخبر - يسيران في خطين متوازيين لا يلتقيان.
فالذين وضعوا مذهب التشيع لأهل البيت بعيدًا عن أئمة أهل البيت - رحمهم الله - اضطربت عليهم الكثير من العقائد التي بنوها على الأصل القائل بوجوب الإمامة بالنص من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، والذي هو أساس الخلاف بين السنة والشيعة، كالقول بوجوب العصمة للإمام وغيرها من العقائد.
وحيث إن الأمر قد بلغ في الكثير من المسائل عند القوم إلى حد التناقض ولا بد؛ لقوله تعالى: (( وَلَوْ كان من عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ) ) [النساء: 82] ، وخالفت الكثير منها واقع المسلمين، وهو محال باعتبار أن القوم يرون العصمة في أئمتهم مما يتحتم نفي التعارض فيما يصدر من معين واحد، بسبب ذلك لجئوا إلى حمل جميع أمثال هذه الروايات المضطربة على القول بالتقية.
فهذه أحد الأسباب التي مهدت لترسيخ مبدأ التقية ورفع منزلتها إلى الحد الذي رأيت. وأسسوا بذلك أرضية خصبة ومساحة كافية لتحرك الوضاعين من خلالها؛ ليضعوا ما تهواه أنفسهم على لسان الأئمة، ويصرفوا كل ما يتعارض مع مخططهم من أقوال أو أفعال قد تكون صدرت حقًا عن الأئمة رحمهم الله، وبالأخص تلك التي توافق ما عليه إجماع المسلمين.