وهذه المسائل من أعظم الأسباب التي تبرر اللجوء إلى التقية، وهي هدف الحكام لإيقاع أشد أنواع التنكيل بقائليها أو متبنيها، ومع ذلك لم يذكر لنا التاريخ مصانعتهم للحكام فيها أو لجوءهم إلى جحور التقية هربًا بجلودهم؛ لأنهم كانوا قدوة للناس، فكان الأولى بهم الأخذ بالعزيمة.
وكذلك محنة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله المشهورة في كتب التاريخ أيام المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل في مسألة خلق القرآن، وقد مات بسببها الكثيرون، كمحمد بن نوح، فقد مات في قيده وهو مرافق لابن حنبل حين أعيدا إلى بغداد، فمات في الطريق، ونعيم بن حماد الفقيه المحدث، ويوسف بن يحيى البوطي المصري صاحب الشافعي وخليفته على حلقته اللذان ماتا في السجن، والعالم الجليل أحمد بن نصر الخزاعي الذي قتله الواثق بنفسه بحد سيفه.
وسرد قصص البلاء والمحن التي نزلت بهؤلاء وغيرهم من علماء أهل السُنة فيها طول قد يخرجنا عن خطة الكتاب.
فالمقصود هنا: أن إيهام الشيعة للعامة والسذج من بني جلدتهم أو غيرهم بأن أسباب اشتهار الشيعة بهذة العقيدة هو وقوع الظلم والاضطهاد عليهم، أو اقتصاره عليهم دون بقية الفِرق والطوائف هو المردود والمجانب للحق والصواب؛ لأنك لن تجد أحدًا من المسلمين يختلف مع الشيعة في مشروعية التقية لهم إذا كانت أسبابها بالشكل الذي يرددونه.