فهل يصح إذًا ترك كل هذه الأحكام الشرعية الواجبة عينًا، بحجة أن هذا ليس وقته، وأن الأمة في مواجهة مع الأعداء. فما علاقة المواجهة إذًا بتعلم أحكام الإسلام وفرائضه، مع أن القرآن والسنة رفعا مكانة العلم وأهله وحملته، بل وجعل العلم قرين الجهاد وأرفع درجة.
وما ذلك كله إلا لأن العلم من المصالح الضرورية التي تقوم عليه حياة الأمة، بمجموعها وآحادها، فلا يستقيم نظام الحياة مع الإخلال بها، بحيث لو فاتت تلك المصالح الضرورية لآلت حال الأمة إلى الفساد، ولحادت عن الطريق الذي أراده لها الشارع، يقول الإمام الشاطبي رحمه الله:"والحفظ لها - أي للمصالح الضرورية - يكون بأمرين:"
أحدهما: ما يقيم أركانها، ويثبت قواعدها، وذلك بمراعاتها من جانب الوجود.
والثاني: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم [1] "."
والعلم بلا ريب يسلك في هذه المصالح الضرورية التي تجب مراعاتها من الجانبين المذكورين، وذلك للأسباب التالية:
1-لأن حاجتنا إليه لا تقل عن حاجتنا إلى المأكل والمشرب والملبس والدواء إذ به قوام الدين والدنيا.
2-لأن المستعمرين، بل المحتلين الحاقدين، إنما احتلوا بلاد المسلمين لأسباب كثيرة، بيد أن من أهمها جهل المسلمين.
3-انتشار المذاهب الهدامة، والنحل الباطلة، وما حدث ذلك إلا لأنها وجدت قلوبًا خالية فتمكنت منها كما قال الشاعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا
فإن القلوب التي لا تتحصن بالعلم الشرعي، تكون عرضة للانخداع بالضلالات،والوقوع في الانحرافات.