فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 101

1 -هوية واحدة متميزة: فقد عصم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ اليوم الأول لدعوته هوية هذه الأمة أن تمتزج أو تشترك مع غيرها من محاور الاستقطاب وعناصر الجذب رغم وجود الدواعي الملحة والظروف المهيئة لتلك المحاور أن تستقطب الناس، بأن أوضح للناس منذ الوهلة الأولى أنه جاءهم ليعبدوا الله وحده لا شريك له، وفهموا هم ذلك عنه حتى قال قائلهم مستنكرًا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [1] .

ويؤكد هذا المعنى شهيد الإسلام سيد قطب [2] ـ عند كلامه عن أحوال العرب عند مبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبداية دعوته لهم ـ بأن أخصب بلادهم وأغناها في يد غيرهم من الأجناس فلم يُثرها - صلى الله عليه وسلم - دعوة إلى القومية العربية تستهدف تجميع قبائل العرب لاستخلاص أرضهم من المغتصبين. كما يخبر ـ رحمه الله ـ أن المجتمع العربي كان كأسوأ ما يكون المجتمع توزيعًا للثروة وتحقيقًا للعدالة ... قلة قليلة تملك المال والتجارة والترف وتتعامل بالربا فتتضاعف تجارتها ومالها ... وكثرة كثيرة لا تملك إلا الشظف والجوع، فلم يُثرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راية اجتماعية ليجمع حوله الغالبية العظمى من الناس في وجه طغيان المال والشرف والجاه.

كما يحكي ـ رحمه الله ـ أن المستوى الأخلاقي في جزيرة العرب كان في الدرك الأسفل في جوانب منه شتى. فقد كان التظالم فاشيًا في المجتمع وكانت الخمر والميسر من تقاليد المجتمع الفاشية بل من مفاخره. وكانت الدعارة في ـ صور شتى ـ من معالم هذا المجتمع. ورغم ذلك فلم يعلنها - صلى الله عليه وسلم - دعوة إصلاحية تتناول تطهير الأخلاق وتطهير المجتمع وتزكية النفوس. وكان في إمكانه - صلى الله عليه وسلم - ـ وقد أعاذه الله ـ إن سار في أي من هذه الدعوات إلى القومية العربية أو العدالة الاجتماعية أو الإصلاح الأخلاقي ألا يلقى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضوان الله عليهم من المعارضة والعنت والصعوبات التي واجهتهم .. ثم بعد أن يجتمع الناس حول أي من هذه الرايات، يعلنها دعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له وقد تبعه الناس وسمعوا له فأحرى أن يتبعوه في ذلك ويسمعوا له، ولكن الله سبحانه ـ وهو العليم الحكيم ـ لم يوجه رسوله - صلى الله عليه وسلم - هذا التوجيه، إنما وجهه سبحانه إلى أن يصدع بـ «لا إله إلا الله» وأن يحتمل هو والقلة التي تستجيب له كل هذا العناء ...

بل وأعلنها - صلى الله عليه وسلم - راية ربانية تقوم على تعبيد الناس لربهم منذ اليوم الأول لدعوته ... وإن كان استرداد الأرض من مغتصبيها والعدالة الإجتماعية وغيرها من أنواع العدل، والإصلاح الأخلاقي وغيره من الإصلاحات هو من مقاصد هذا الدين ...

{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [3] .

(1) سورة ص، الآية: 5.

(2) سيد قطب: معالم في الطريق، ص 27 وما بعدها.

(3) يوسف، الآية: 108.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت