فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 101

8 -صبغ - صلى الله عليه وسلم - الأمة بصبغة الإسلام وأقام التماسك الاجتماعي على أساس التمسك الفردي بالقيم:

ولأهمية الصبغة الإسلامية وتزكية الفرد بتمسكه بالقيم الإسلامية يدعو خليل الرحمن ربه تبارك وتعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [1] .

فكانت تزكيتهم بطاعة الله عز وجل وإخلاصهم له وتطهيرهم من الدنايا، فاستجاب الله تعالى له وامتن على المؤمنين بذلك فقال تعالى:

{كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [2] .

فكانت تزكيتهم مقدمة في امتنان الله عليهم على تعليمهم الكتاب والحكمة فقد كان القرآن ينزل مقررًا للقيم الأخلاقية ومربيًا لهذه الصفوة التي استجابت لربها على تلك القيم: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا} [3] .

كما كانت هذه العصبة مقتدية برسولها - صلى الله عليه وسلم - الذي كان خُلُقه القرآن، وتقص علينا السيرة بعضًا من تلك القيم الكلية التي استقرت في نفوس المسلمين الأوائل على لسان جعفر بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ مخاطبًا النجاشي ومخبرًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ـ فعدد عليه أمور الإسلام ـ فصدقناه وأمنا به واتبعناه على ما جاءنا من دين الله» [4] .

فمجموعة القيم الإسلامية التي قال الله عز وجل عنها: {دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الُمشْرِكِينَ} [5] ، ترفع من فاعليات الفرد وروحه المعنوية وتعمق من إسهاماته في مجتمعه وتفاعله مع بيئته وتجعله فردًا متماسكًا: {وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} [6] ، لا متهوكًا ولا حيرانًا، فلا تتفرق النفس داخل كيان الفرد مشدودة إلى أهواء شتى تتجاذبها أو تمزقها: {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ} [7] .

بل كما قال - صلى الله عليه وسلم: «لقد جئتكم بها بيضاء نقية» [8] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك» [9] .

وهذه القيم إنما صبغت الأمة بصبغة الإسلام وأدت إلى استقامة سلوك الفرد من خلال ربط التوجيه بالحدث والعلم بالعمل والتلقي للتنفيذ من خلال شمولية التوجيه الرباني على أساس خُلُق بشري نظيف، فقد اختار الله تبارك وتعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - أصحابه من خيار الناس في الجاهلية فهو ـ سبحانه ـ كما أنه أعلم حيث يجعل رسالته ـ أعلم بمن هو مستحق للهداية وصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم -.

(1) سورة البقرة، الآية: 129.

(2) سورة البقرة، الآية: 151.

(3) سورة الإسراء، الآية: 106.

(4) الرحيق المختوم ص 90.

(5) سورة الأنعام، الآية: 161.

(6) سورة الأعراف، الآية: 170.

(7) سورة الأنعام، الآية: 71.

(8) رواه أحمد جـ 3، ص 387.

(9) اتحاف المهرةٍٍ، جـ 1 ص 182.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت