فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 101

9 -حقق التوازن بين الترسيخ الرأسي والانتشار الأفقي:

حقق - صلى الله عليه وسلم - التوازن بين الترسيخ الرأسي بالدعوة والتربية والانتشار الأفقي بإزالة العوائق وفتح الطريق أمام الدعوة بالجهاد فلا يتسع نطاق الأمة أكثر من طاقة استيعاب الصفوة ولتغيير الواقع بقوة البرهان وقوة السلطان بأمة تربت على الحق تدفع عنه الباطل، وبشوكة يزع الله بها ما لا يزع بالقرآن [1] ، فحقق مشاركة الأمة في الدفع والتغيير ومشاركتها في السلطة بعد التمكين: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ} [2] ، {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [3] .

وهكذا أخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خلال هذه المرتكزات خير أمة أخرجت للناس استطاعت أن تصمد في وجه المرتدين عقب وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل وتمكنت بعد ذلك من هزيمة البيزنطيين في فلسطين والانتصار علي الفرس في القادسية وفتح مصر علي يد عمرو بن العاص و القضاء علي الدولة الساسانية وفتح أرمينيا وجورجيا والانتصار على الأسطول البيزنطي في معركة ذات الصواري، كل هذه الملاحم التي توشح صدر الإسلام في فجره، وقعت فيما بين التحاق النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - بالرفيق الأعلى وحتى مقتل عثمان وتولي علي بن أبي طالب رضي الله عنهما [4] .

في كل هذا، كان الإسلام هو هوية هذه الأمة ومحور استقطابها الذي صنعها أمة عظمى من قبائل متفرقة متناحرة يحكمها في أفضل بلادها ولاة من قبل فارس والروم. ونرى أثر ذلك عندما كان الإسلام هوية الأمة، فقد كان الفرد المسلم من عامة الأمة لا يرى في غير الإسلام سببًا للتجمع بل يرى أنه وحده أساس الانتماء وأنه وحده رابطة الولاء، ولذلك لم تكن لديه قابلية للشعور بالغضاضة في أن يعيش على أرضه ـ بل ويحكمه ـ مسلم من بلد آخر فصفة الإسلام تجُبُّ ما عداها ورابطة الدين تُغني عما سواه.

(1) حدثنا أبو غسان المسمعي وابن مثنى قالا: حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن عياض بن حمار المجاشعي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني، أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، وإن الله نظر إلي أهل الأرض، فمقتهم: عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء تقرؤه نائمًا ويقظان، إن الله أمرني أن أحرق قريشًا، فقلت رب إذًا يثلغوا رأسي، فيدعوه خبزة قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشًا == نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، قال: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط، متصدق، موفق، ورجل رحيم، رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال قال: وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعًا، لا يبتغون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفي له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخل ـ أو الكذب والشنظير الفحاش» . (رواه الإمام مسلم: حديث خلقت عبادي كلهم حنفاء) .

(2) سورة البقرة، الآية: 251.

(3) سورة الحج، الآية: 40.

(4) الدكتور أحمد القديري: «الإسلام وصراع الحضارات» كتاب الأمة رقم (44) ، ص 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت