كما أنه - صلى الله عليه وسلم - أسقط شرعية الافتراق الديني والدنيوي بقوله - صلى الله عليه وسلم:
«وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة» ، قالوا ومن هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» . وفي رواية: «الجماعة» [1] .
وبذلك أبطل - صلى الله عليه وسلم - تعدد الهويات من داخل الدين كما أبطلها من خارجه.
(1) سبق تخريج الحديث والافتراق المقصود في الحديث ليس هو الافتراق في المسائل الاجتهادية فهذا واقع حتى في القرون المفضلة، الثلاثة الأولى. ولكن الافتراق الذي قال الله تعالى عنه: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ - مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 30 - 31] . الافتراق الذي صاروا به شيعًا أي جماعات بعضهم قد فارق البعض ليسوا على تآلف ولا تعاضد ولا تناصر بل على ضد ذلك. وهذه الفرقة مشعرة بتفرق القلوب المشعر بالعداوة والبغضاء ولذلك قال تعالى: {و َاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] فبين أن التآلف إنما يحصل عند الائتلاف على التعلق بمعني واحد، وأما إذا تعلقت كل شيعة بحبل غير ما تعلقت به الأخرى فلابد من التفرق وهو معنى قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] . والافتراق إما أن يكون راجعًا إلى أمر هو معصية غير بدعة ومثاله أن يقع بين أهل الإسلام افتراق بسبب دنيوي كما يختلف مثلًا أهل قرية مع قرية أخرى بسبب تعد في مال أو دم حتى يقع بينهم العداوة فيصيروا حزبين أو يختلفون في تقديم وال أو غير ذلك فيفترقون، ومثل هذا محتمل، وإما أن يرجع إلى أمر هو بدعة كما افترق خوارج من الأمة ببدعهم التي بنوا عليها الفرقة. كتاب: "الاعتصام" جـ 2، ص 191 - 192.