حقق - صلى الله عليه وسلم - التوازن بين الفرد والجماعة فقد ربَّى - صلى الله عليه وسلم - أصحابه على روح الفريق لا روح القطيع، ولا روح التشرذم والتدابر والتنازع والاختلاف:
روح الفريق في قوله: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [1] .
يقول الإمام ابن كثير: «يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان هو وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي» [2] .
فالبصيرة واليقين والبرهان أولى سمات روح الفريق التي يتربى عليها الأفراد ويذم الله ـ تبارك وتعالى ـ أناسًا فقدوا البصيرة وتربوا على روح القطيع فيقول جل وعلا:
{وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [3] ، فلا يكون المسلم كالهمج الرعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل صائح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يركنوا إلى ركن وثيق.
وينهى - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فيقول:
«لا يكن أحدكم إمّعة يقول: أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم» [4] . حتى يكون المسلم أهلًا لما وصفه به - صلى الله عليه وسلم: «يسعي بذمتهم أدناهم» .
وقد تحقق هذا في القرن النبوي حتى أجارت امرأة من المسلمين وأقرها - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «أجرنا من أجرت يا أم هانئ» [5] .
وقد بعث - صلى الله عليه وسلم - معاذًا إلى اليمن فسأله: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟» قال بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد» ، قال: فبسنة رسول الله، قال: «فإن لم تجد؟» قال: أجتهد رأيي ولا آلو [6] . فهذا معاذ بن جبل رضي الله عنه يجتهد رأيه في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ في مسألة الأسارى يقول فيها برأي خلافًا لرأي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر رضي الله عنه ويُقِرُّه القرآن الكريم على رأيه [7] ، {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [8] .
وحتى صبيان المسلمين ـ فضلًا عن كبارهم ـ يتربون على ذلك فهذا الصبي: عبد الله بن الزبير يلعب مع الصبيان في الطريق فيمر بهم عمر رضي الله عنه فيفر الصبيان هيبة من عمر إلا ابن الزبير فيسأله عمر رضي الله عنه: لِم لَم تهرب مع الصبيان؟ فيقول الصبي كلمته التي حفظها له التاريخ: «لست جانيًا فأفر منك، وليس في الطريق ضيق فأوسع لك» [9] .
(1) سورة يوسف، الآية: 108.
(2) الحافظ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم جـ2 ص 495 - 496.
(3) سورة البقرة، الآية: 171.
(4) الترمذي، رقم 62.
(5) الرحيق المختوم، ص 393، (مكتبة فياض بالمنصورة) .
(6) الترمذي: جـ 3، ص607 رقم (1327) ، مسند أحمد: جـ5، ص242، وأبو داود: رقم (3592 - 3593) .
(7) الرحيق المختوم، ص219.
(8) سورة الأنفال، الآية: 68.
(9) عبد الله ناصح علوان: تربية الأولاد في الإسلام، جـ1 ص304 - 305.