قال تعالى: {صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} [1] .
جاءت هذه الآية مع غيرها جوابًا لمن قالوا: {كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [2] .
فكانت صبغة الله: هي ملة إبراهيم حنيفًا.
ودين الله الذي ارتضاه تبارك وتعالى لعباده.
وفطرته التي فطر الناس عليها.
وسمى ربنا ـ تبارك وتعالى ـ دينه صبغة لأنه ـ والله أعلم ـ ظهر أثره على المتدينين به ظهور الصبغ على المصبوغ وتداخل في قلوبهم تداخل الصبغ للثوب.
ظهر أثره ظهور الصبغ على المصبوغ في سمتهم وهَديهم ... في أخلاقهم وسلوكهم ... في تجارتهم وتعاملاتهم ... في صناعتهم وزراعتهم ... بل في كل سلوك إنساني يصدر منهم حتى كانت هذه الصبغة الربانية وذاك اللون الإلهي دينهم. وكان رسول الله - وصحبه رضوان الله عليهم هم الأنموذج الأول لأثر هذه الصبغة فقد سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله - فقالت: «كان خُلقه القرآن» [3] .
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: «حدثنا الذين كانوا يقرؤننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي - وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا» [4] .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن» [5] .
والقرآن ـ كما أخبر ربنا تبارك وتعالى عنه ـ في شموليته:
{مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [6] .
ويقول أبو ذر الغفاري رضي الله عنه: «ولقد تركنا رسول الله - وما يقلب طائر بجناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا» [7] .
فتركهم - على المحجة البيضاء ليلها كنهارها ولقد صدق اليهودي لما قال لسلمان رضي الله عنه: «لقد بُعث لكم رسول علمكم كل شيء (المأكل ـ الملبس ـ النوم) حتى الخِراء» [8] .
فقد كان هذا ترجمة عملية لأمر الله تعالى لرسوله - ومن اتبعه: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [9] .
نعم لقد ظهر أثر هذه الصبغة الإلهية على المسلمين الأُوَل ـ كما سبق ـ وتداخلت في قلوبهم تداخل الصبغ للثوب فطهرت قلوبهم من الدنس والشك والظلم والحسد والتوكل على غير الله عز وجل وغيرها من أمراض القلوب.
وصُبغت بالصبغة الربانية ـ ملة إبراهيم ودين الإسلام ـ فانغمست في حب الله ورسوله وحب عباده المؤمنين وخشية الله والإنابة إليه والإيمان به وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضى بقضائه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه والتوكل عليه وحده وغيرها من أقواله وأعمال القلوب فصلحت قلوبهم بهذه الصبغة.
يقول رسول الله - فيما يرويه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: «إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة» [10] .
والأمانة عين الإيمان ـ وعلى هذه القلوب نزل القرآن فأخذوه مأخذ الجد لا مأخذ الجدل، وورد في الأثر:
(1) سورة البقرة، الآية: 138.
(2) سورة البقرة، الآية: 135.
(3) أحمد جـ 6، ص 91، 163 ابن كثير، جـ 5، ص 44 جـ 8، ص 214، والبداية والنهاية جـ 6، ص 41.
(4) الإمام ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، جـ 1 ص 3 مقدمة التفسير.
(5) ابن تيمية، مقدمات في فهم التفسير.
(6) سورة الأنعام، الآية: 38.
(7) الإمام ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، جـ 2، ص 131.
(8) سيد سابق، فقه السنة، جـ 1 ص 23.
(9) سورة الأنعام، الآية: 162.
(10) فتح الباري، جـ 13، ص 42، رقم 7086.