«عُلمنا الإيمان ثم عُلمنا القرآن» .
لقد كان الرجل حين يدخل هذا الدين ينزع عن نفسه كل صبغة اصطبغ بها ويمحو عنها كل لون تلون به، إلا ما وافق هذه الصبغة الربانية وذاك اللون الإلهي.
وعن هذا الجيل يقول شهيد الإسلام سيد قطب [1] :
«لقد كان الرجل حين يدخل في الإسلام يخلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية كان يشعر في اللحظة التي يجئ فيها إلى الإسلام أنه يبدأ عهدًا جديدًا منفصلًا كل الانفصال عن حياته التي عاشها في الجاهلية.
وكان يقف من كل ما عهده في الجاهلية موقف المستريب الشاك الحذر المتخوف الذي يحس أن كل هذا رجس لا يصلح للإسلام وبهذا الإحساس كان يتلقى هدي الإسلام الجديد» ...
كان يتلقى هذا الهدي وذاك الأمر ليعمل به فور سماعه كما يتلقى الجندي في الميدان «الأمر اليومي» ليعمل به فور تلقيه تمامًا كما أخبر ربنا تبارك وتعالى عن قول المؤمنين: {أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [2] .
فكان هذا الشعور ـ شعور التلقي للتنفيذ ـ ييسر لهم العمل ويخفف عنهم ثقل التكاليف ويخلط القرآن بذواتهم ـ يصطبغون به ـ فيحولونه في نفوسهم وفي حياتهم إلى منهج واقعي وإلى ثقافة متحركة لا تبقى داخل الأذهان ولا في بطون الصحائف وإنما تتحول آثارًا وأحداثًا تحول خط سير الحياة كل الحياة [3] .
إن هذا الدين صبغة تصبغ حياة المسلمين كلها.
صبغة في العقيدة والأخلاق ... صبغة في الحضارة واللغة ...
صبغة في العلوم والمعارف ... صبغة في الآداب والاجتماع ...
صبغة في التجارة والاقتصاد ... صبغة في السياسة والحكم ...
صبغة في الدعوة والإعلام ... صبغة في العادات والتقاليد ...
صبغة في كل نواحي الحياة ...
صبغة تصبغ المدارس والجامعات ... البيوت والطرقات ... المزارع والصناعات ... النوادي والمؤتمرات ... المتاجر والمجتمعات.
صبغة في كل مكان ...
صبغة تخرج لهذا الكون خير أمة أخرجت للناس، أنفع الناس للناس يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر يأخذون بهم في السلاسل ليدخلوهم الجنة.
صبغة تخرج العالم المسلم الذي يتخلق بأخلاقيات هذه الصبغة في ابتكاراته واختراعاته، لا ذاك الذي يتلاعب بخلق الله في وراثاتهم وتناسلهم تلاعبه بالفئران، ولا ذاك الذي يُسخّر علمه في إبادة خلق الله أطفالًا وشيوخًا، نساءً وشبانًا، عجزة ومقعدين.
صبغة تخرج التاجر المسلم الأمين الصدوق الذي امتنع عن تطفيف الكيل والميزان وبخس الناس أشياءهم، امتنع عن الغش، عن اليمين الكاذبة، تحرى الكسب الحلال خوفًا من أن ينبت لحمه من سحت فيكون مصيره النار، بل نصح للمسلمين في بيعهم وشرائهم ولم يرض لهم إلا ما يرضى لنفسه.
صبغة تخرج الصانع المسلم الذي يتقن لعلمه (أن الله عز وجل يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه) . الصانع الذي لا يغش لا يهمل لا يضيع مال المسلمين سدى.
صبغة تخرج البيت المسلم الذي تحفه الملائكة وتغشاه الرحمة من ذكر الله الدائم فيه كما حكت كتب السلف عمن كان يتناوب قيام الليل مع زوجه وخادمه يُحيي أحدُهم ثلث الليل الأول وثانيهم ثلثه الثاني وثالثهم ثلثه الأخير.
البيت الذي خيم عليه المودة والرحمة بين الزوجين، التوقير للكبير والرحمة فيه للصغير، البيت الذي يربي أجيالًا من النشء على الإسلام والإيمان.
صبغة تخرج المدرسة المسلمة التي تربي تلاميذها ـ ليكونوا مسلمين صالحين ـ على منهج للتربية مدروس ومفصل ومؤصل، وللمدرسين بها خبرة وعلم يمارسون الإسلام ويتخلقون بخلق القرآن في سلوكهم وتعاملهم ومظهرهم وسائر شئونهم.
(1) سيد قطب: معالم في الطريق: ص 18 وما بعدها.
(2) سورة النور، الآية: 51.
(3) المصدر السابق، ص 18.