2 -فبعد أن حدد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهذه الأمة هويتها الإسلامية التي يجتمع حولها المسلمون، وقرر أنهم أمة واحدة من دون الناس جرّد هذه الهوية من الالتباسات التي يمكن أن تحدث من تبني القضايا الرائجة عند الناس وقت الدعوة، التي يشاركه فيها غيره من غير أهل دعوته من دعاة الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي والتحرر السياسي، أو غيرها من القضايا التي ربما لا تكون رائجة وقت الدعوة ولكن من شأنها ـ إذا طرحت حسب الظروف السياسية والاجتماعية السائدة في وقت الدعوة ـ أن تجد مساندة من قوى كثيرة يهمها تحقيق هذا البرنامج الإصلاحي أو ذاك، وإن كانت مخالفة في الهوية والعقيدة وسائر التوجيهات لصاحب الدعوة وكذلك يكون من شأنها أن تجد قبولًا سريعًا لدى الناس لحاجتهم الماسة إليها لفرط معانتهم من التفسخ الأخلاقي والفوارق الطبقية والظلم الاجتماعي أو احتلال جزء من أراضيهم من قبل آخرين من غير جلدتهم وفرض التبعية عليهم.
وبتجريده - صلى الله عليه وسلم - الهوية من كل هذه الالتباسات ـ التي يصعب على صاحب الدعوة تجنبها ما لم يكن مستنًا بالهدى ـ امتنع أن يصير الإسلام بعد ذلك ـ مقوما من مقومات هويات أخرى عربية أو فارسية أو تركية، اجتماعية أو سياسية، وامتنع أن يتعدد الإسلام بتعدد الالتباسات (من إسلام صحراوي وآخر ريفي وثالث صناعي أو إسلام اجتماعي وآخر فردي أو إسلام اشتراكي وآخر ليبرالي أو إسلام تركي وآخر مصري وثالث عربي ... ورابع بربري ... وآسيوي أو أوربي وشمالي أو جنوبي) بتعدد الشرعيات والحضارات المقبولة في الدين!!!
وامتنع أن يصير الإسلام فصيلًا من فصائل الإصلاح الأخلاقي أو الاجتماعي أو السياسي في الأمة العربية أو غيرها من الأمم وتحققت للإسلام هويته الواحدة المستقلة عن غيرها، وأصبح للإسلام بذلك أمته الواحدة المتميزة عن غيرها من الأمم، فأبطل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك شرعية التعدد في الهويات بامتزاج الهوية الإسلامية بغيرها من خارجها وأصبح للإسلام هوية واحدة متميزة هي: «الاجتماع على الإسلام والانتساب إلى الشرع» [1] ، وهي شرعية واحدة لا تتعدد تقوم عليها أمة واحدة لا تتعدد ولا تتفرق بدعاوى الجاهلية.
(1) راجع كتاب الاعتصام للشاطبي.