فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 101

9 -حافظ - صلى الله عليه وسلم - على التأصيل من خلال خطاب شديد التأثير على الوجدان:

فكتاب الله تبارك وتعالى يجمع بين وصفين أنه فرقان فرّق الله سبحانه به بين الحق والباطل، أحكمه الله سبحانه وتعالى وفصل آياته حتى قال تعالى في وصفه {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [1] .

والوصف الثاني هو تأثيره الشديد على الوجدان، قال تعالى: {كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [2] .

وقال جلَّ وعلا: {و َإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [3] .

ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك أمة من شدة توضيحه الحق لهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها. ويقول أبو ذر رضي الله عنه: «ولقد تركنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا» [4] .

كما كان - صلى الله عليه وسلم - يعظهم حتى تذرف عيونهم ويخشع قلوبهم ويخطبهم كأنما ينذرهم جيشًا مصبحهم وممسيهم ... فلبى - صلى الله عليه وسلم - فيهم قوة الشعور الديني مع قوة البصيرة الدينية التي تعطي مفاهيم صحيحة لا تسمح بدعاوى الجاهلية من روابط العرق وتخوم الأرض ولا بفصل الدين عن الدولة في أية صورة من الصور، ولا في أي عصر من العصور [5] .

أي أنه خاطب العقل و الوجدان معًا فسلم أصحابه رضي الله عنهم من ضلال العُبَّاد الذي سببه الجهل، وضلال العلماء الذي سببه قسوة القلب وجفاف الروح [6] .

قال تعالى معلما عباده كيف يدعونه: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [7] .

المغضوب عليهم: هم من تركوا العمل بالحق بعد علمه.

والضالون: هم من جهلوا الحق فعملوا بخلافه.

(1) سورة النحل، الآية: 89.

(2) سورة الزمر، الآية: 23.

(3) سورة المائدة، الآية: 83.

(4) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، جـ 2، ص 131.

(5) إن فصل الدين عن الدولة ليس ظاهرة حديثة، إنما هو سمة من سمات الجاهلة في أغلب العصور، يقول الله عز وجل على لسان قوم شعيب عليه السلام: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَامُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87] .

(6) المنهج من شأنه إذا اتبع أن يمنع الضلال.

(7) سورة الفاتحة، الآيتان: 6 - 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت