فهرس الكتاب
ويقص علينا التاريخ أن المسلم كان يخرج من طنجة حتى ينتهي به المطاف إلى بغداد لا يحمل معه جنسية قومية أو هوية وطنية وإنما يحمل شعارًا إسلاميًا هو كلمة التوحيد، فكلما حل أرضًا وجد له فيها أخوة في الإيمان وإن كانت الألسنة مختلفة والألوان متباينة لأن الإسلام أذاب كل تلك الفوارق واعتبرها من شعارات الجاهلية.
كما يحكي لنا كيف سار ابن بطوطة من شاطئ المحيط الأطلسي إلى شاطئ المحيط الهادي ولم يُعتبر في أي قطر مر به أجنبيًا بل وأتيحت له الفرصة حيث حل أن يصبح قاضيًا أو وزيرًا أو سفيرًا ولم يُراقب في حركاته وسكناته ولم يسأله أحد عن هويته أو جنسيته أو مهنته أو وطنه، فقد كان أفراد الأمة في تحركهم من بلد إلى بلد آخر من بلاد الإسلام لا يحتاجون إلى تأشيرات دخول أو خروج لأن الإسلام بلْوَر هويتهم الحقيقة ومنحهم الجنسية الإيمانية وزودهم بروح الأخوة والمودة [1] .
وكانت الأمة تقاوم الغزو الغربي الصليبي مقاومة إسلامية وتنظر إليه على أنه غزو من قبل الكفار لبلاد الإسلام تنبغي مجاهدته وإزالته وتقاوم ما وسعتها المقاومة عملية تنحية الشريعة الإسلامية وإحلال القوانين الوضعية محلها على أساس أن هذا كفر يخرج من الملة إذا رضيت به.
فإن المصريين حين قاتلوا الحملة الفرنسية لم يقاتلوها بوصفهم مصريين إزاء فرنسيين ولكن بوصفهم مسلمين يقاتلون الكفار، وقد كان علماء الدين هم قادة هذه المقاومة، ولذا انصب غضب نابليون على الأزهر بوصفه عنصر المقاومة للغزو الصليبي.
وتأتي قمة الدلالة في كون سليمان الحلبي الذي قتل كليبر لم يكن مصريًا بل مسلمًا دفعه إسلامه إلى قتل قائد الحملة الصليبية الموجهة إلى أرض الإسلام.
وقد أدرك أعداء هذه الأمة هويتها مما جعلهم يتزلفون إليها بادعاء الإسلام أو المحبة لأهله كما فعل نابليون عند دخوله مصر.
(1) محمد محمد البدري، الأمة الإسلامية من التبعية إلى الريادة ص 52 - 53.