وأما نموذج أطر المصالح المشتركة: فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما أن أسماء بنت يزيد الأنصارية ـ رضي الله عنها ـ أتت إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بين أصحابه فقالت: يا رسول الله إني وافدة النساء إليك، إن الله بعثك بالحق للرجال والنساء، فآمنا بك واتبعناك، وإنا ـ معشر النساء ـ محصورات، قواعد بيوتكم، مقتضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وأنتم ـ معشر الرجال ـ فضلتم علينا بالجمع والجماعات، وعيادة المرضى، وشهادة الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله عز وجل، وإن الرجل إذا خرج حاجًا أو معتمرًا أو مرابطًا حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، أفما نشارككم في هذا الخير والأجر يا رسول الله؟ فالتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - بوجهه كله إلى أصحابه ثم قال: «هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مسألتها في أمر دينها؟» فقالوا يا رسول الله، ما ظننا امرأة تهتدي إلى مثل هذا. فالتفت النبي إليها ثم قال: «انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء أن طاعة الزوج ـ اعترافًا بحقه ـ يعدل ذلك كله، وقليل منكن من يفعله» .
وأيضًا فيما يرويه ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «لما أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب ولم يكن في الأنصار منها شيء [1] وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القالة حتى قال قائلهم: لقي والله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قومه فدخل عليه سعد بن عبادة رضي الله عنه فقال يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء، قال: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» قال: يا رسول الله ما أنا إلا من قومي، قال: «فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة» . فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا له أتاه سعد فقال: لقد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار فأتاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحمد الله، وأثنى، ثم قال: «يا معشر الأنصار مقالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم؟ ألم آتاكم ضلالًا فهداكم الله؟ وعالة فأغناكم الله. وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟» قالوا: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل، ثم قال: «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟» قالوا بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل. قال - صلى الله عليه وسلم: «أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصُدّقتم آتيتنا مكذبًا فصدقناك ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قومًا ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار» . فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسمًا وحظًا، ثم انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتفرقوا ... ». أ هـ.
ولابد في كل هذا أن يتقدم الولاء العام للإسلام والمسلمين عامة على الولاء الخاص للإطار الذي ينتمي إليه المسلم أو يُقْطع هذا الولاء الخاص ولا يتقدم إذا تعارض مع الولاء العام ولم يكن خادمًا له.
(1) الرحيق المختوم.