الله - صلى الله عليه وسلم -، فحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - للزبير بن العوام فقال (اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ المَاءَ إِلَى جَارِكَ) ، فقال الأنصاري: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟) ، أي لأنه ابن عمّتك حكمت له بذلك، فقال -عليه الصلاة والسلام- (اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ يَبْلُغُ المَاءُ الجَدْرَ، ثُمَّ أَمْسِكْ) [1] .
فأنزل الله -عز وجل- يقول في كتابه الكريم، من قوله {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [2] إلى أن قال -عز وجل-: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [3] .
فبيَّن -عز وجل- أنّ المسلم في هذا الموقف هو واحد من اثنين؛ إمّا مُتحاكم إلى شرع الطاغوت وإما متحاكم إلى شرع الله، فلمّا قابل -عز وجلّ- التحاكم إلى شرع الطاغوت بالإيمان علمنا أن شرع الطاغوت والتحاكم إليه كفرٌ مناقضٌ لصريح الإيمان، لأنه قال أولًا: {لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} فجعل الله --عزّ وجل- في مقابلة الإيمان بالله -عزّ وجل- الكفر بالطاغوت، وبيّن أنّ التحاكم إلى شرع الله هو من صفات أهل الإيمان، وأن التحاكم إلى شرع الطاغوت هو من صفات أهل الكفر والزندقة والردة والإلحاد
ثم قال -عز وجل-: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ، يُقسم -سبحانه وتعالى- بنفسه المقدّسة الشريفة الكريمة على نفي الإيمان عنهم.
وما ادَّعاه قومٌ في هذه الآية من أن نفي الإيمان هنا هو نفيٌ لكمال الإيمان باطلٌ مردود، يدل عليه أولُ ما ذكرناه سابقًا من أن الله -عز وجل- جعل في مقابلة الإيمان الكفر بالطاغوت، ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ
(1) صحيح البخاري: (2359) ، صحيح مسلم: (2357) .
(2) سورة النساء، الآية: 60.
(3) سورة النساء، الآية: 65.