فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 141

آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ، فهذه المقابلة تمنع من أن يكون المراد بالإيمان هاهنا هو نفس كمال الإيمان.

ثم قوله -عز وجل- في سياق هذه الآيات إنّما جاء على سبيل التغليظ والترقّي؛ فالقول أنّه نفيٌ لكمال الإيمان منافٍ للتغليظ والترقي في الآيات، والتي هي في معرض التشنيع والتقريع والتوبيخ على المتحاكم إلى غير شريعة الله.

وزيادة على ذلك أنّ التقدير في قوله -عز وجل-: {لا يؤمنون} التقدير بأن المراد هو نفيُ كمال الإيمان يحتاج إلى تقدير آخر، لأنك لو قلت"فلا وربك لا يؤمنون كاملًا"؛ فلا بد أن تُقدر ذلك بقولك"فلا وربك لا يؤمنون إيمانًا كاملًا"؛ لأن النعت وهي الصفة (كاملًا) لا تصدر إلا بعد تقدير المصدر، هكذا قال أئمة النحو -رحمهم الله-، وهذا التقدير الذي هو (كاملًا) احتاج إلى تقدير آخر فهو ضعيفٌ باطلٌ مردودٌ. ولذلك فالأَوْلى أن تُحمل الآية على ظاهرها وهذا هو الحق والصواب وما سواه باطل مردود، وافقته آيات أخر في كتاب الله وفي دين الله وفي شرع الله.

إذًا فالحاكم بدين الطاغوت وبشريعة الطاغوت قد جعل نفسه شريكًا لله -عز وجل-، ومن تحاكم إلى شرع الطاغوت فقد تحاكم إلى غير شرع الله، إذًا فهما طريقان متباينان متمايزان لا يلتقيان في بداية ولا نهاية، ولا يستوي الظل ولا الحرور، ولا يستوي الأحياء ولا الأموات، ولا يستوي الأعمى والأصم ولا السميع والبصير، وأين دين الله وشرعه من دين الطاغوت وشرعه؟

ولهذا قابلهما الله -تبارك وتعالى- وجعل من علامات أهل النفاق أنهم {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [1] .

وقال عن صفات أهل الإيمان {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [2] ، هذا هو دأب أهل الإيمان والتوحيد؛ السمع والطاعة في التحاكم إلى شريعة

(1) سورة النساء، الآية: 61.

(2) سورة النور، الآية: 51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت