الله، ونحن ما رأينا في كتاب الله -تبارك وتعالى- موضعًا قد امتدح فيه أهل الإيمان بالتحاكم إلى شريعته إلّا وقابله بوصف من يتحاكم إلى غير شرعه بالنفاق أو بالكفر.
وهذا هو معنى قول ربنا -تبارك وتعالى-: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [1] ، قوله -عزّ وجل- في هذ الآية محمولٌ في ظاهره على الكفر الأكبر، والمراد بالكفر الأكبر هاهنا هو التشريع الذي سبق وشرحناه وأشرنا له، فإنّ الحكم تعريفه عند أهل العلم -رحمهم الله- هو إثباته شيء لشيء أو نفيه عنه، كإثبات الحِلّ للشيء ونفي الحرمة عنه، أو كإثبات الحرمة ونفي الحل.
فنفي الحل عن الربا وإثبات الحرمة له ونفي الحرمة عن الزواج وإثبات الحل له؛ أمرٌ مردُّه إلى الله -تبارك وتعالى-، وكذا كل حكم ورد في كتاب الله أو سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فإنما مرده ومرجعه إلى المشرع وحده لا شريك له، ولهذا بين -عز وجل- أنّ من لم يرجع في أحكامه ومن لم يصدر عن كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو كافر خارجٌ عن الإسلام.
والكفر هاهنا قد جاء معرفًا بالألف واللام فهو كفرٌ أكبر مخرج من الدين والملة، وبيان ذلك على الوجه الذي يلي:
اعلم أن الكفر في اللغة يأتي بمعنى التغطية، ومنها قول القائل:"في ليلة كفر النجوم غمامها"يعني غطَّى النجوم غمامها، وتقول كفرت الإناء إذا غطيته، فالكفر هنا بمعنى التغطية، وتقول"كفر زيد الإناء"إذا غطّاه، فالكفر هو التغطية في اللغة.
ولكنّ الشارع نقل هذا الاستعمال من استعمال اللغوي إلى استعمال واصطلاحٍ شرعيّ جديد، كما نقل اصطلاح لفظ الصلاة، وأصله في اللغة بمعنى الدعاء، فنقله للدلالة على أوصاف مخصوصة بهيئة مخصوصة في أزمنة مخصوصة، وكما نقل الحج وأصلح في اللغة القصد، يقال حجّ فلانٌ شطر فلانٍ أي قصده، فنقله للدلالة على أفعال مخصوصة بهيئة مخصوصة في أزمنة مخصوصة وأمكنة مخصوصة، وكما نقل معنى الصيام وهو في اللغة
(1) سور المائدة، الآية: 44.