فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 141

الامتناع، قال الله -عز وجل-: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [1] ، فنقل الله سبحانه هذا الاستعمال من الامتناع في أصل اللغة إلى الدلالة على معنًا شرعي جديد، وهو الإمساك عن المفطرات المُباحات من طلوع الشمس إلى غروبها في زمن مخصوص وهو شهر رمضان.

وهكذا كل اصطلاح شرعي كان له في أصل اللغة معنى ما ثم نُقل للدلالة على معنًا شرعيٍّ جديد، وصار اصطلاحًا له معناه في عرف الشارع.

فكذلك الكفر، فالكفر في أصل اللغة معناه التغطية، فلمّا نقل هذا الكفر إلى اصطلاح الشارع صار للكفر معنى جديد يدلُّ عليه، وهو أن الله -عز وجل- جعل الكفر في الشرع للدلالة على معنى يقابل الإيمان والإسلام، كما قال -عزّ وجل-: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [2] ، فالكفر هنا وإن كان في أصل اللغة بمعنى التغطية إلّا أنّه هنا للدلالة على معن يقابل الإسلام والإيمان ويفارقه.

وكذلك قوله -عز وجل-: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} [3] ، فوصفهم الله -عز وجل- بالكفر، وجعل الكفر هاهنا في مقابلة الوصف الآخر والذي هو وصف الإسلام والإيمان.

ولكن هل يُطلق الكفر في اصطلاح الشارع على المعنى اللغوي؟ نعم يُطلق عندما يدل الدليل عليه، إذا دل الدليل عليه؛ أي: على أنّ الإطلاق يراد به المعنى اللغوي، وإلّا فالأصلُ في الاستعمال هو استعمال العُرف والاصطلاح الذي وضعه الشارع أو جعل الشارع هذا اللفظ دليلًا عليه.

فالكفر في قوله -عز وجل-: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} وكذلك في كل موضع ورد في الكتاب والسنة فإنما يُراد به هو اصطلاح الشارع الذي استعمل فيه هذا اللفظ ونقله إليه، ولا يدل على المعنى اللغوي إلا إذا دلَّ الدليل على ذلك، وقد دلّ الدليل على ذلك في مواضع كثيرة كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الصحيحين عندما ذهب إلى النساء في صلاة العيد ومعه بلال بن رباح -رضي الله عنه وأرضاه- يجمع منه

(1) سور مريم، الآية: 26.

(2) سورة البقرة، الآية: 256.

(3) سورة التغابن، الآية: 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت