فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 141

الصدقة، فسألنه فقال: (يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار) فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: (تكثرن اللعن، وتكفرن العشير) [1] .

فذكر -عليه الصلاة والسلام- أنهن يكفرن العشير؛ فكفر العشير هنا لا يراد به الكفر بالمعنى الشرعي الذي اصطلح عليه الشارع، أي لا يراد به المعنى الذي نقل الشارع هذا اللفظ من أصل اللغة، والذي هو في مقابل الإسلام والإيمان، وإنما يراد به المعنى اللغوي، بدلالة قوله - صلى الله عليه وسلم: (تكفرن العشير) ، والمراد هنا جحد حقه.

ومثله قوله -عليه الصلاة والسلام- فيما ثبت في صحيح مسلم: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) [2] ، فسمّى النبي - صلى الله عليه وسلم - قتال المسلم كفرًا، وليس المراد هنا الكفر المخرج من الملة، أي ليس دلالة الكفر هنا على المعنى الاصطلاحي الذي وضعه الشارع للدلالة عليه وهو ما يقابل الإسلام والإيمان، بدليل أن الله -تبارك وتعالى- يقول في كتابه الكريم: {وإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [3] .

وهكذا كثير من المواضع في كتاب الله -تبارك وتعالى- أو في سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - محمولة في المعنى على اصطلاح الشارع، إلا إنْ دلّ الدليل على أن المراد بها المعنى اللغوي، فحينذاك يُحال إليه، فالأصل أن اصطلاح الشارع مقدَّم.

ولولا ذلك، أي لو عكسنا الأمر، للزمنا أن نقول أن الصلاة والصيام والحج في القرآن محمولة على المعنى اللغوي حتى يدل الدليل على أن المراد هو اصطلاح الشارع، وهذا باطل واضح البطلان، والحمد لله رب العالمين.

بقيت مسألة؛ وهي أنه إذا قلنا بذلك فالتحاكم إلى غير شرع الله الذي نصّ الله -عز وجل- على أنه كفرٌ هاهنا، وجاء الكفر معرفًا بالألف واللام للدلالة على أنّ المراد به الكفر الأكبر والذي هو التشريع ومضاهاة شرع الله في أحكامه وتشريعها؛ فهل يمكن أن يُطلق الكفر هنا على الكفر الأصغر؟ أي هل يمكن أن يُطلق

(1) صحيح البخاري: (304) ، صحيح مسلم: (132) .

(2) صحيح البخاري: (48) ، صحيح مسلم: (116) .

(3) سورة الحجرات، الآية: 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت