فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 141

على كفر لا يُخرج من الملة؟ أي بالنظر إلى أن معنى الكفر هو التغطية في أصل اللغة، ولذلك قال -عليه الصلاة والسلام-: (تكفرن العشير) ، (قتاله كفر) وغير ذلك من الآيات والحديث.

فالرجل العاصي على هذا المعنى اللغوي يقال هو قد كفر بمعنى أنه غطَّى الحق بمعصيته، وليس المراد الخروج من الملة الذي يقول به الخوارج الذين كانوا في زمن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وهم الذين كانوا يقولون أن مرتكب الكبيرة من المسلمين خالد مخلَّد في النار كما سيأتي شرحه وبيانه في درسنا القادم إن شاء الله تعالى.

ولكنّنا نريد هاهنا أن نقول أن الكفر بالمعنى اللغوي قد يُطلق على المعصية إذ أنّ العاصي هو مغطٍّ في الحقيقة بمعصيته للحق الذي أمر الله -تبارك وتعالى- باتباعه وبلزومه.

فالزاني بهذا المعنى كفر؛ أي غطى الحق الذي ألزمه الله تعالى وأمره به وهو تحريم الزنا حيث حرّمه الله عليه، والسارق كفر بالمعنى اللغوي؛ أي غطى الحق الذي أمر الله به وهو تحريم السرقة عليه، وهكذا كلّ معصية يقع فيها العبد فهو قد كفر فيها بالمعنى اللغوي على الوجه الذي ذكرناه.

قوله -عز وجل-: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} هل يمكن أن يقع من الرجل ذنبٌ من الذنوب فيطلق عليه فعل الكفر، وإطلاق الكفر على هذا الذنب بالمعنى اللغوي لا يتعارض مع إطلاق الكفر على ما هو كفر باصطلاح الشارع، لا تعارض بينهما، ولذلك لما سُئل ابن عباس -رضي الله عنه وأرضاه- عن هذه الآية في مناظرته مع الخوارج قال:"ليس بالكفر الذي تذهبون إليه إنما هو كفر دون كفر" [1] .

وليس مراد ابن عباس -رضي الله عنه- بهذا أن يقول أن التشريع وأن تنصيب رجل إلهًا مع الله يشرِّعُ للأمة ليس بالكفر الذي يذهبون إليه وإنما هو كفر المعصية؛ بل مراد ابن عباس -رضي الله عنه- أنّ الكفر وإن أُطلق على صنيع أولئك القوم الذي أذنبوا ذنوبًا لا تُخرجهم من الملة فإنّما يُطلق عليهم بالمعنى اللغوي الذي يدلُّ عليه الكفر لغةُ.

(1) أخرج الحاكم في مستدركه (3219) عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: (إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه إنه ليس كفرا ينقل عن الملة {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ) ، قال الحاكم"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"وصححه الذهبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت