فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 141

وبيان ذلك أن التابعيّ الجليل لاحق بن حميد السدوسي البصري، وهو إمام جليل تابعي روى له الأئمة الستة في كتبهم -رحمهم الله-؛ أعني البخاري ومسلم والأربعة أبا داود والنسائي والترمذي وابن ماجه، رُويَ عنه أنه جاءه جماعة من الخوارج يسألونه عن قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، فقال: (هو كفر) ، فقالوا له: (أفيحكم هؤلاء بما أنزل الله؟) قال: (هو دينهم الذي يدينون به .. ) ، قالوا: (لا والله، ولكنك تَفْرَقُ) أي ولكنّك تخاف، أو (ولكنك تُفَرِّق) [1] أي تُفرّق بين ما قلت أولًا أنه كفر وبين قولك الآن أنهم يحكمون بشريعة الله.

فما الذي أراده -رضي الله عنه- لاحق بن حميد؟ أراد أن يقول أن فعل علي -رضي الله عنه- ومن معه وإن كنتم ستسمّونه كفرًا فليس هو بالكفر المخرج من الملة الذي أشار الله -عز وجل- إليه في هذه الآية في قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} وإن جاز إطلاق الكفر عليهم فإنما يجوز إطلاق الكفر عليهم من باب دلالة المعنى اللغوي والذي هو التغطية على المعصية، من حلق لحيته يقال كفر لغةً بمعنى أنه غطى الحق بفعل المعصية، وليس المراد أنه خرج من الملة، وكذلك الرجل يرتكب صغيرة من الصغائر يقال كفر بالمعنى اللغوي.

فهذا هو مراد ابن عباس -رضي الله عنه-، وليس المراد بأن عباس -رضي الله عنه- يأتي إلى قوله -عز وجل-: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [2] ، ثم يقول -رضي الله عنه- أن التشريع مع الله ليس بكفر مخرج من الملة.

هذا لا يقوله من هو أدنى من ابن عباس بمئات المرات بل بآلاف، فضلًا عن ابن عباس، وهو الذي روى تفسير قول الله -تبارك وتعالى-: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْق وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [3] كما حكاه الطبري في تفسيره، قال المشركون: (أتأكلون ما ذبحت

(1) تفسير الطبري (12025) ، (12026) .

(2) سورة الشورى، الآية: 21.

(3) سورة الأنعام، الآية: 121.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت