الصفحة 23 من 56

فأنكر الله - عز وجل- على من يدّعي الإيمان بما أنزل الله على رسله وعلى الأنبياء الأقدمين وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير الكتاب والسنة، وبّين أن هذا الضرب من الناس هم المنافقون لأنه لا يجتمع الإيمان بالله وترك التَّحاكم إلى ما أنزل الله بحال من الأحوال.

فيا قومنا: تدبَّروا هذه الحقيقة، وأيقنوا أن ادعاء الإسلام والإيمان لا يعدوا أن يكون زعمًا كاذبًا حتى يقبل أصحابه أحكام الله، ويعلنوا التزامهم بها جملة وعلة الغيب، ويكفروا بكل ما يُتحاكم إليه من دون الله.

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا} (النساء 59) .

قال ابن كثير - يرحمه الله-: (وهذا أمر من الله - عز وجل- بأن كل شىء تنازع النَّاس فيه من أصول الدّين وفروعه أن يُردّ التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} . فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصِّحَّة فهو الحقّ، وماذا بعد الحقّ إلا الضَّلال ولهذا قال تعالى: {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} . أي ردُّوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنّة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} . فدلَّ على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنّة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الأخر) [1] .

وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء 65) .

فتأمَّلوا رحمكم الله كيف جعل تحكيم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أي تحكيم شريعته شرطًا في الإيمان، وكيف أقسم بذاته العُليا على نفي الإيمان عمَّن لم يحكِّموا رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فيما شجر بينهم من خلاف.

فيا قومنا تدبَّروا هذه الحقيقة! وحاكموا إليها واقع الأنظمة الوضعيَّة المعاصرة التي قامت ابتداءً على الفصل بين الدّين والدولة وعلى الإقرار بالحقّ في التشريع المطلق لبشر من دون الله!!

(1) تفسير بن كثير، سورة النساء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت