ولقد كان من أخطر الآفات-الّتي مُنيَ بها الفكر الإسلامي في عصور الانحطاط-شيوع القول المخالف لعقيدة أهل السُنَّة في باب الإيمان بِقَصْرِ الإيمان على مجرد التصديق الخبري الَّذي لا ينقضه إلا تكذيب اللسان فحسب.
ولهذا عربد المعربدون من الطواغيت ومن شايعهم، وأجهزوا على شريعة الإسلام وولغوا في دماء أبنائه وهم لا يزالون عند أنفسهم، وفي حِسِّ كثير من شعوبهم مسلمين! لأنهم لم يعلنوا بألسنتهم التكذيب بالتوحيد والرّسالة!!!.
ولو كان الإيمان هو مجرد التصديق ما كان هناك وجهٌ لتكفير أبي طالب وهو القائل:
ولقد علمتُ بأن دين محمد من خير أديان البرية ... دينا
بل هو الّذي عاش طيلة عمره يدفع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحوطه ويمنه، بل وتحمّل معه في الشِّعب أقصى ما تحمّله المؤمنون الصادقون، ولكنه مع ذلك أبى الانقياد للإسلام فمات يوم مات كافرًا بالله العظيم!! وعندما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"لأستغفرنّ لك مالم أنهَ عنك"أنزل الله عزّ وجلّ قوله: {ما كان للنبي والّذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} التوبة113، وقد صح أنه أهونُ أهل النار عذابًا يقف على جمرتين من نار تغلي منهما عروق رأسه، وهو يظنُّ أنه أشدُّ أهلها عذابًا!
ولو كان الإيمان مجرد التصديق ما كان هناك وجه لتكفير علماء أهل الكتاب بعد أن قال الله فيهم {الّين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم وإن فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} البقرة146.
وكفر هؤلاء معلوم بالضّرورة من الدين.
بل لو كان الإيمان مجرد التصديق ما كان هناك وجه لتكفير أهل مكة وقد قال الله فيهم:
{قد نعلم أنه يحزنك الّذي يقولون فإنهم لا يكذّبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} الأنعام33.
بل لما كان هناك وجه لتكذيب إبليس، فإنه لم يقع منه تكذيب، لأنّ الله-تعالى- قد باشره بالخطاب ولم يرسل إليه رسولًا يأمره بالسجود، ولكنه أبى واستكبر وكان من الكافرين واستحقّ على ذلك لعنة الخلد ونار الأبد.
أيها المسلمون:
ما أيسر إدِّعاء الإيمان، وما أسهل أن يرفع كلُّ إنسان عقيرته بأنه مؤمن، ولا يزال المنافقون والزنادقة على مدار التاريخ يدّعون الإيمان بل ويزعمون للناس أنهم مجددون، وأنهم يصلحون في الأرض ولا يفسدون.
لقد ادعى الإيمان غلاةُ الباطنية وقد قالوا ما قالوا في القرآن الكريم، وفي صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،وفي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وانتحلوا من العقائد ما تتضاءل دونه عقائد اليهود والنصارى والمجوس.
وادّعى الإيمان القاديانيّة مع قولهم بنبوة مرزا غلام أحمد، وتكفيرهم لكافّة المسلمين لأنهم لا يؤمنون بنبوته وادّعى الإيمانَ البهائيّةُ والبابيّةُ والبهرةُ وغيرهم من دعاة الضلالة والزندقة.
وادّعى الإيمان شيوعيّو هذا العصر ولقبّوا أنفسهم بقلب (الحاجّ) وأقاموا في أحزابهم لجانًا للشئون الدينية!!
{يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} . (البقرة9) .