فهرس الكتاب
وهذه الحزبيات تفرق المسلمين والله قد أمر بالاجتماع والتعاون على البر والتقوى ونهى عن التفرق والاختلاف, قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} ] آل عمران:103]، إن الله سبحانه يريد منا أن نكون حزبًا واحدًا هو حزب الله المفلحون"."
(ولكن العالم الإسلامي أصبح بعد ما غزته أوروبا سياسيًّا وثقافيًّا يخضع لهذه العصبيات الدموية الجنسية والوطنية ويؤمن بها كقضية علمية وحقيقة مقررة وواقع لا مفر منه. وأصبحت شعوبه تنادي المسلمين بالخروج إلى إحياء هذه العصبيات التي أماتها الإسلام والتغني بها وإحياء شعائرها والافتخار بعهدها الذي تقدم على الإسلام وهو الذي يلح الإسلام على تسميته بالجاهلية [1] . وقد منّ الله على المسلمين بالخروج عنها وحثهم على شكر هذه النعمة.
والطبيعي من المؤمن أن لا يذكر جاهلية تقادم عهدها أو قاربها إلا بمقت وكراهية وامتعاض واقشعرار, وهل يذكر السجين المعذب الذي يطلق سراحه أيام اعتقاله وتعذيبه وامتهانه إلا وعرته قشعريرة؟ وهل يذكر البريء من علة شديدة أشرف منها على الموت أيام سقمه إلا وانكسف باله وانتقع لونه [2] ؟ والواجب أن يعلم أن هذه الحزبيات عذاب بعثه الله على من أعرض عن شرعه وتنكر لدينه كما قال تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَاسَ بَعْضٍ} [الأنعام: 65] .
وقال صلى الله عليه وسلم:"وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم" [3] , إن التعصب للحزبيات يسبب رفض الحق الذي مع الآخرين كحال اليهود الذين قال الله فيهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ] البقرة:91[.
(1) - يقول أحد المستشرقين: (إننا في كل بلد إسلامي دخلناه نبشنا الأرض لنحصل على تراث الحضارات القديمة قبل الإسلام، ولسنا نعتقد بهذا أن المسلم سيترك دينه ولكنه يكفينا منه تذبذب ولائه بين الإسلام وتلك الحضارات) [عن الولاء والبراء في الإسلام لمحمد القحطاني 416] نقلًا عن تحكيم الشريعة د. صلاح الصاوي.
(2) - من رسالة (ردة ولا أبا بكر لها) لابن الحسن الندوي.
(3) - من حديث رواه ابن ماجه.