وأعد المشركون جيلًا من المفكرين والساسة والحكام والمثقفين, وربوهم في كنفهم وتحت رعايتهم, وأشربوهم بهذا التصور العلماني, ومكنوهم في البلاد ونظام الحكم والتعليم والتربية. ثم تركوهم ليقوموا بدلًا منهم بمهمة عزل المسلمين عن دينهم, وعزل الدين عن قيادة المسلمين في الحياة.
"برز (سعد زغلول) ليكون داعية للنهج الأوروبي في الأداء السياسي, وبالرغم من نشأته الأزهرية, إلا أن رحلاته المتعددة لأوروبا غيرت من فكره, وأقنعته بأن المحتل الأوروبي عندما يرحل -ولا بد أنه سيرحل- يجب الإبقاء على ما جاء من أجله, وهو تجذير التغيير في بنية الشعوب لتقترب من النموذج الأوروبي, رغم اقتران اسمه بالبحث عن الاستقلال, بل حمل معه هذا الهم كثيرون ممن أشربوا في قلوبهم حب الأوروبيين من خلال التعليم ومدارس الإرساليات أو معاهد الأقباط [1] , أو ضمن البعثات الخارجية, حيث دشن هؤلاء"العائدون من أوروبا"حملة تغريب منظمة بالتنسيق مع قوى"الاحتلال"حينًا, وتحت راية"الاستقلال"أحيانًا."
فالاستعمار الإنجليزي استمر في مصر الفترة نفسها التي استمر فيها المد الليبرالي, وتحت إشراف ذلك المستعمر وضع الليبراليون أيديهم على كل منافذ التأثير, وقد تعاقب على حكم مصر حكومات تنتمي إلى أحزاب سياسية, وكان أكثرها يحمل المبادئ الليبرالية في السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع, كحزب الوفد الضليع في علمانيته الذي أسسه سعد زغلول والذي تفرعت عنه أو انشقت عنه أحزاب علمانية, تؤمن كلها بالمبادئ الليبرالية على اختلاف بينها في الوسائل, وفي المدة من (أكتوبر 1922) وحتى قيام ثورة (يوليو 1952) أي فيما يقرب من ثلاثين عامًا, قامت في مصر إحدى وأربعون وزارة, كان الوفديون الليبراليون أو المنشقون عن الوفديين (السعديون) يتناوبون فيها مع غيرهم من العلمانيين على كراسي رئاسة الوزراء, ولم يكن التنافس بين هذه الأحزاب في الغالب إلا بقدر إثبات قدرتها على إحداث التغيير في بيئة المجتمع المصري وفق معايير الغرب, فماذا كانت الحصيلة؟
(1) - نتحفظ على تسمية معاهدهم ومستشفياتهم وغيرها بهذا الاسم (الأقباط) لأنهم يستعملونه للدلالة على أحقيتهم في أرض الكنانة وهذا باطل ومسمى القبط كان لأهل مصر جميعًا من قبل نزول عيسى عليه السلام.