فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
والحاجة تراعى سواء كان ذلك في العبادات أم في المعاملات أم في الجنايات، فما كان على تلك الصفة فهو ملحق بالضرورة؛ ولذا قال العلماء: (الحاجة تنزل منزلة الضرورة [1] عامة كانت أو خاصة [2] . وخالف بعض العلماء في مراعاة الحاجة الخاصة، وقرروا أن الحاجة الفردية لا تراعى، وإنما تراعى الحاجة العامة لجميع الناس أو لفئة معينة كأهل بلد أو حرفة [3] . [انظر تفصيلًا للمسألة في الموافقات، 2/ 119 وما بعدها] .
ومما يجدر التنبيه عليه أن أغلب الفقهاء يستعملون كثيرًا مصطلح (الضرورة) مكان مصطلح (الحاجة) [4] ، ولا مشاحة في الاصطلاح إذا ظهر المراد.
(1) قول المصنف عن الحاجة أنها ملحقة بالضرورة وأنها تنزل منزلتها، يقصد من جهة لزوم مراعاتها، وليس من جهة مرتبتها، وإلا فالحاجة أدني مرتبة من الضرورة، وهذا واضح في كلامه.
(2) المراد بكونها عامة أن يكون الاحتياج شاملًا جميع الأمة، والمراد بكونها خاصة أن يكون الاحتياج لطائفة منهم كأهل بلد أو حرفة ... وليس المراد بخصوصها أن تكون فردية. [المدخل الفقهي العام، 2/ 1005، بتصرف يسير] .
(3) المصدر السابق، 2/ 1007.
(4) مسألة اختلاف مصطلحات العلماء واختلاف مقاصدهم فيها من المسائل المهمة التي ينبغي على طالب العلم التنبه لها، حتى لا يقع في شيء من الخطأ عند استشهاده بأقوالهم، فيحمل أقوالهم على غير محملها الصحيح، وذلك أن العلماء قد يعبرون عن المعنى الواحد بمصطلحات متباينة، وكذلك قد تتباين مقاصدهم في المصطلح الواحد، وهذا يوجد في كلام الفقهاء، ويكثر عند المحدثين، وموجود كذلك في لغة العرب، ويعرف بالترادف والاشتراك، والترادف يكون باتحاد المعنى مع اختلاف الألفاظ، وذلك كاستعمالهم لمصطلح الفرح والسرور، والحزن والهمّ، والخوف والرهبة، وغير ذلك، وأما الاشتراك فيكون باتحاد اللفظ مع اختلاف المعاني، وذلك كما قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] ، فكلمة قرء تأتي في اللغة بمعنى الطهر وبمعنى الحيض، وكذلك كما في كلمة"بيت"، وهي تأتي بمعنى بيت السكن وبمعنى بيت الشعر، ويُفرَّق بينهما إما بالجمع أو بالسياق، فالأول يجمع على"بيوت"، والثاني يجمع على"أبيات"، وكذلك كلمة"عين"تأتي بمعنى العين الباصرة وعين الماء، وغير ذلك من الأمثلة، واختلاف مصطلحات العلماء من المسائل الشائكة التي تحتاج إلى تتبع واستقراء تام لكلام العالم أو الفقيه، لمعرفة مقصوده بما يستعمله من مصطلحات، وهذا ما عناه المصنف بقوله: (ولا مشاحة في الاصطلاح إذا ظهر المراد) ، ولهذا ينبغي على طالب العلم أن يتثبت ويدقق النظر قبل الإقدام على الفتيا ونقل أقوال الفقهاء، وثمة مصنفات في هذه المسألة، يُذكر فيها مصطلحات العلماء مع بيان مقاصدهم منها.