فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 302

يقول الإمام الشاطبي رحمه الله فيمن خاض بحر الاجتهاد من غير تأهيل: (وتكون مخالفته تارة في جزئي وهو أخف، وتارة في كلي من كليات الشريعة وأصولها العامة، كانت من أصول الاعتقادات أو الأعمال؛ فتراه آخذًا ببعض جزئياتها في هدم كلياتها، حتى يصير منها إلى ما ظهر له ببادئ رأيه من غير إحاطة بمعانيها ولا راجع رجوع الافتقار إليها، ولا مُسَلِّمٌ لما رُوِيَ عنهم في فهمها [1] ، ولا راجع إلى الله ورسوله في أمرها كما قال: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: من الآية 59] .

ويكون الحامل على ذلك بعض الأهواء الكامنة في النفوس، الحاملة على ترك الاهتداء بالدليل الواضح واطِّرَاح النصفة والاعتراف بالعجز فيما لم يصل إليه علم الناظر، ويعين على هذا الجهل بمقاصد الشريعة وتوهم بلوغ درجة الاجتهاد باستعجال نتيجة الطلب [2] ، فإن العاقل قلَّما يخاطر بنفسه في اقتحام المهالك مع العلم بأنه مخاطر ... وأصل هذا القسم مذكور في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: من الآية 7] .

وفى الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلمقرأ هذه الآية، ثم قال: فَإِذا رأَيتُم الذينَ يتبعونَ ما

(1) قال في الهامش: بل يرجع إليها رجوع الاستظهار بها على صحة غرضه في النازلة؛ فالمقصود إنما هو تنزيل الدليل على وفق غرضه، وتحكيم هواه في الدليل، فيكون الدليل تبعًا لهواه. [المصنف] .

(2) وهذا من الآفات في طلب العلم، فإن من استعجلَ العلمَ فاتهُ، ومن سابقَ العلمَ سبقهُ، وذلك لأن العلم عزيز، لا يخضع لطالبه، وإنما يخضع الطالب له، وكل من أراد أن يهزم العلم، فإنما يُهزم هو، لأن العلم نابع عن الحق، والحق قوي في ذاته، لأنه من الله - عز وجل -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت