فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال ابن العربي: (منع الله في كتابه أحدًا أن يفعل فعلًا جائزًا يؤدي إلى محظور، ولأجل هذا تعلق علماؤنا بهذه الآية في سد الذرائع، وهو كل عقد جائز في الظاهر يؤول أو يمكن أن يُتوصل به إلى محظور) [1] .
وهذه القاعدة تندرج تحت قاعدة الوسائل والمقاصد، فهذه القاعدة شعبة من قاعدة إعطاء الوسيلة حكم المقصد خاصة بوسائل حصول المفسدة [2] اهـ.
(1) أحكام القرآن، 2/ 265.
(2) وهي قاعدة"الوسائل لها أحكام المقاصد"، وتعني أن الوسيلة الموصلة إلى مقصد تأخذ حكمه، فإن كان حكمه التحريم حُرِّمَت الوسيلة، وإن كان حكمه الإباحة أُبيحت، وكذا في الوجوب والاستحباب والكراهة، ولهذا يقال: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، تبعًا لهذه القاعدة، ويقال أيضًا: ما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون، والقاعدة مطردة في وسائل تحصيل المفسدة، فكل وسيلة تفضي إلى مقصد فاسد، أو تؤول إلى مفسدة، فإنها يحكم عليها بالفساد تبعًا لحكم مقصدها، وإن كانت جائزة في أصلها، وما عدا ذلك فالقاعدة ليست مطردة، فقد يكون المقصد مشروعًا، والوسيلة محرمة لذاتها، وذلك كمن يسعى لتحكيم الشريعة بالوسائل الديمقراطية، ومن يضع أحاديث في الترغيب والترهيب ليرقق قلوب الناس ويرغبهم في الخير، كما كان يفعل بعض الوضاعين، وكذلك من يستخدم الأناشيد والقصائد ذات الكلمات الحسنة ويصحبها بالموسيقى لدعوة الناس إلى الخير أو لدعوة الفساق إلى التوبة، وغير ذلك.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: (لما كانت المقاصد لا يُتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع بها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرَم الرب تعالى شيئًا وله طرق ووسائل تُفضي إليه، فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقًا لتحريمه وتثبيتًا له، ومنعًا أن يُقرب حِمَاه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم، وإغراءً للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه تأبى ذلك كل الإباء) . [إعلام الموقعين، 4/ 553] .
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله: (الوسائل لها أحكام المقاصد، ويتفرع على هذا الأصل أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون، وطرق الحرام والمكروهات تابعة لها، ويتفرع عليها أن توابع العبادات والأعمال حكمها حكمها، هذا أصل وقاعدة كلية يتبعه عدة قواعد، فإذا أمر الله ورسوله بشيء كان أمرًا به، وبما لا يتم إلا به، وكان أمرًا بالإتيان يجميع شروطه الشرعية والعادية والمعنوية والحسية، فالأمر بالشيء أمر به وبما لا يتم إلا به، والنهي عن الشيء نهي عنه وعن كل ما يؤدي إليه) . [القواعد والأصول الجامعة، ص 24، بتصرف]