فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 302

آخر وتسميته مسائل الفروع، فهذا الفرق ليس له أصل، لا عن الصحابة ولا عن التابعين لهم بإحسان ولا أئمة الإسلام، وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع، وعنهم تلقاه من ذكره من الفقهاء في كتبهم) [1] .

(1) مجموع الفتاوى، 23/ 196.

وقد كثر النزاع في مقصود شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من مثل هذه الأقوال، والذي يظهر أن الإمام ابن تيمية لا يَقصِد بكلامه عدم صحة التفريق بين أصول الدين وفروعه، ولا يذهب إلى إنكار ذلك التقسيم وعدم اعتباره، فإن الفرق بين أصول الدين وفروعه واضح لكل أحد، فضلًا عن وضوحه لشيخ الإسلام رحمه الله ، وإنما مقصوده الرد على من قالوا بالحدية في ذلك من أهل البدع ورتبوا عليها لوازم باطلة من تكفير للمخالف ونحو ذلك، والكلام لابد أن يفهم في سياقه، وقد تكررت مثل هذه العبارات من شيخ الإسلام رحمه الله في سياق حديثه عن تصويب وتخطئة المجتهدين، وحكم المخطئ منهم، وحكى النزاع الحاصل في ذلك بين أئمة أهل السنة وغيرهم من الفرق المبتدعة كالمعتزلة وغيرهم، يريد بذلك أن هذه المسألة ونظائرها ليست مسائل حدية، وأن الفقهاء حين تكلموا فيها لم يقصدوا الحدية التي فهمها هؤلاء، ولم يضعوا لها ضابطًا حديًا يفصل بين النوعين، وإنما قصدوا التنبيه للفرق بينها.

هذا ما قصده شيخ الإسلام، وهو معنى صحيح لمن تأمله، وله أمثلة في كلام الفقهاء، منها تفريقهم بين حديث العهد بإسلام وقديم العهد بإسلام، فليس هناك ضابطًا يضبط المدة في ذلك، وكذلك من نشأ ببادية بعيدة ومن ليس ببادية بعيدة، ومسألة الجلاء والخفاء في أحكام ومسائل الشرع، وغير ذلك من المسائل من هذا النوع، فالتحقيق أن هذه المسائل نسبية، وأن هذه التقسيمات إنما وضعها الفقهاء لتنبيه الفقيه الناظر على وجود الفارق، ولم يقصدوا الحدية فيها، فلا يقال مثلًا أن من قضي مدة كذا بعد إسلامه فليس حديث عهد بإسلام، أو أن من يعيش في منطقة تبعد مسافة كذا فليس ببادية بعيدة، أو أن المسائل كذا وكذا من المسائل الخفية وغيرها من المسائل الجلية، فهذا لا يوجد في كلام الفقهاء ولم يقصدوه، وإنما قصدوا أن هناك فرقًا بين هذه المسائل ينبغي التنبه له، والفارق في ذلك نسبي يرجع للقرائن التي تقوم للفقيه عند النظر، وتقديره واجتهاده في المسألة، كذلك فإن من مقصود شيخ الإسلام رحمه الله الرد على من عمدوا إلى مسائل معينة فاختاروها وجعلوها مسائل أصول، ثم عمدوا إلى غيرها فاختاروها وجعلوها مسائل فروع، دون دليل أو ضابط في ذلك، وإنما هو الهوى والتشهي، وهذا الذي أشرنا إليه من مقصود شيخ الإسلام بكلامه واضح في قوله رحمه الله: (فإن المفرقين بين ما جعلوه مسائل أصول ومسائل فروع لم يفرقوا بينهما بفرق صحيح يميز بين النوعين، بل ذكروا ثلاثة فروق أو أربعة كلها باطلة) [مجموع الفتاوى، 19/ 112] ، وقوله بعد كلامه الذي نقله المصنف: (وهو تفريق متناقض، فإنه يقال لمن فرق بين النوعين: ما حد مسائل الأصول التي يكفر المخطئ فيها؟، وما الفاصل بينها وبين مسائل الفروع؟) [مجموع الفتاوى، 23/ 196] ، وهذا واضح في أنه يبطل الحدية في ذلك، كما يبطل فهمهم لهذا التقسيم على طريقتهم البدعية.

ومما يدل على أن الإمام ابن تيمية لا يقصد نفي التفريق وإنكار أصله، أقواله الصريحة في التفريق بين أصول الدين وفروعه، وقد نقل المصنف شيئًا منها في موضع سابق، وهو قوله: (فالدين أول ما يُبنى من أصوله ويُكَمَّل بفروعه، كما أنزل الله بمكة أصوله من التوحيد والأمثال التي هي المقاييس العقلية والقصص والوعد والوعيد، ثم أنزل بالمدينة لما صار له قوة، فروعه الظاهرة من الجمعة والجماعة والأذان والإقامة والجهاد والصيام وتحريم الخمر والزنا والميسر وغير ذلك من واجباته ومحرماته، فأصوله تمد فروعه وتثبتها، وفروعه تكمل أصوله وتحفظها) . [مجموع الفتاوى، 10/ 355] .

وبذلك يُجمع بين أقوال العلماء، ويُرد متشابهها إلى محكمها، وليس كما يفعل البعض من ضرب أقوال أهل العلم بعضها ببعض، فيأخذون من أقوالهم ما يناسب مذهبهم ويردون غيرها، وضابطهم في ذلك التشهي واتباع الهوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت