ثالثًا: تركه (لهدمها في مكة اعتبارًا للقدرة الشرعية ومآلات الأفعال دليل على أن ذلك معتبر في أمور التوحيد كاعتباره في سائر الأعمال الفقهية، والتفريق بين العقيدة وبين الفروع الفقهية ليس في كلام الله تعالى أو رسوله (ما يدل عليه، بل القيام بهما يكون في حدود القدرة والاستطاعة وتحقيق المصلحة دون تفريق، وقد دلت النصوص الشرعية على إباحة الكفر [1] لعارض الإكراه كما في قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ} [النحل: من الآية 106] .
قال ابن تيمية رحمه الله: (أما التفريق بين نوع وتسميته مسائل الأصول، وبين نوع
(1) الكفر منه ما هو حقيقي ومنه ما هو حكمي، كما أن الإسلام منه ما هو حقيقي ومنه ما هو حكمي، والكفر الحقيقي كالإسلام الحقيقي من جهة حصوله في العبد ظاهرًا وباطنًا، وأما الحكمي فهو ما كان حصوله في الظاهر دون الباطن، والشارع أمرنا بالإسلام الحقيقي، ونهانا عن الكفر الحقيقي، ولم يبحه لنا بحال، ولا تحت الإكراه، وإنما أباح للمُكرَه إظهار الكفر عند وقوع الإكراه عليه، بقدر وقوعه، فإن زال الإكراه فقد أوجب الشارع عليه الخروج من هذا الإظهار للكفر إلى الإسلام الحقيقي، فإن بقي على إظهاره للكفر دون سبب مبيح لذلك شرعًا، فقد وقع في الكفر الحقيقي، وكفر ظاهرًا وباطنًا، وهذا مأخوذ من توجيه الشارع لعمار بن ياسر {، ولهذا فالأصوب أن يقال: دلت النصوص الشرعية على إباحة"إظهار"الكفر والتلفظ به، وهذا من باب الدقة في استعمال الألفاظ الشرعية، لئلا توهم معنى باطلًا عند بعض الجهال، وهذا التعقيب مني ليس على سبيل التعالم أو السفسطة، بل رأيت من يحمل الإكراه على هذا المعنى، ويظن أنه يجيز له الوقع في حقيقة الكفر والبقاء فيه!، والكفر لا يجوز بحال، ولا تحت الإكراه، وهذا قطعي، وإلا فإن كثيرًا من المشركين تعذروا بالإكراه والاستضعاف فلم يعذرهم الله - عز وجل -، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97] ، ففرق بين إباحة الكفر وبين إباحة إظهاره.