يبغضه ويمقت أهله، ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار، رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر، فطُلِبَ إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه، فقد كان رسول الله (يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها [1] ، بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام، عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك مع قدرته عليه خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر) [2] .
ودرجات تغيير المنكر كما قسمها رحمه الله في أعلام الموقعين أربعة: (الأولى: أن يزول ويخلفه ضده، الثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته، الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله، الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه، فالدرجتان الأولتان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة) [3] .
(1) لاحظ أن ابن القيم رحمه الله ذكر هذا المثال في سياق قوله"فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله". [المصنف] .
قلت: لعل ذكر الإمام ابن القيم لمثال تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم عليه السلام في هذا السياق لا يقصد منه الجزم بأن بقاءه على قواعد إبراهيم من المنكرات، وإلا للزم من ذلك القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك منكرًا ولم يغيره أو ينه عنه حتى مات، وهذا محال، وهو مُنَافٍ لمقام النبوة والرسالة، ومعارض لما نصت عليه الآية من اكتمال الدين، وقد نص البخاري وابن حجر والنووي على عدم وجوبه وصرفوه إلى الاستحباب، وقد أورد المصنف أقوالهم، فالذي يظهر أن استشهاد الإمام ابن القيم بهذا المثال إما أنه لتقريب المعنى أو للاعتضاد، والله أعلم.
(2) إعلام الموقعين، 4/ 338 - 339.
(3) المصدر السابق، 4/ 339.