فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 302

وجه الأرض مع القدرة على إزالته) [1] .

ثانيًا: هذا الواجب هو كسائر الواجبات الدينية متعلق بقدرة المكلف كما رأيت في كلام العلماء، كما يخضع للموازنة بين المصالح والمفاسد [2] .

قال ابن أبي العز الحنفي: ( [فالشارع] لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان الفعل، بل ينظر إلى لوازم ذلك، فإذا كان الفعل ممكنًا مع المفسدة الراجحة لم تكن هذه استطاعة شرعية) [3] ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قادرًا على هدم الأصنام بمكة؛ لكنه أخر ذلك لما بعد فتح مكة مراعاة للمآلات [4] ، مما يوضح معنى الاستطاعة الشرعية، فإن قال قائل: لم يهدمها في مكة لأن ذلك سيؤدي لمفاسد عظيمة، فهذا يعني أنه يشرع مراعاة المفاسد والمصالح حتى في باب التوحيد والشرك.

قال ابن القيم رحمه الله في [أعلام الموقعين] : (إن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر، ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله

(1) زاد المعاد، 3/ 443.

(2) وذلك أنها مسألة فقهية في حقيقتها، وإن كانت متعلقة بالعقيدة في أصلها.

(3) شرح الطحاوية، 2/ 638.

(4) وذلك لأن هدم النبي صلى الله عليه وسلم للأصنام في مكة كان يمكن أن يؤول إلى تقتيل المسلمين، وكانوا لازالوا مستضعفين، فبعضهم يضطر لإخفاء إيمانه، وبعضهم يضطر لإظهار كلمة الكفر تحت التعذيب وبعضهم يضطر للهجرة إلى الحبشة، ولا يصح الاستدلال بفعل أصحاب الأخدود في مثل هذا الموضع، لأن أصحاب الأخدود طُلِبَ منهم الخروج من دين الله والدخول في الكفر، وهذا لا يجوز البتة، وهو مخالف لترك هدم الأصنام مع عدم الالتزام بعبادتها، فالفارق بينهما واضح، فينبغي التنبه في مثل هذه المسائل لتحرير المناط وتحقيقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت