فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 302

الدين أو عجز عن جميعه - كالمجنون مثلًا - وهذه أوقات الفترات.

فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما، كان بيانه لما جاء به الرسول شيئًا فشيئًا بمنزلة بيان الرسول لما بُعث به شيئًا فشيئًا.

ومعلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأت الشريعة جملة، كما يقال: إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع.

فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، كما أن الداخل في الاسلام لا يمكن حين دخوله أن يُلقن جميع شرائعه ويؤمر كلها.

وكذلك التائب من الذنوب والمتعلم والمسترشد، لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويُذكر له جميع العلم، فإنه لا يُطيق ذلك [1] ، وإذا لم يُطقه لم يكن واجبًا عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجبًا لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان، كما عفا الرسول عما عفا عنه إلى وقت بيانه، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات، لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل، وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط. فتدبر هذا الأصل فإنه نافع [2] .

(1) ذكرنا في موضع سابق أن علة ذلك أن الناس لا يتحولون عما هم عليه من الجهل إلى العلم فجأة، وإنما يتدرجون في ذلك حسب استطاعتهم.

(2) وقال في موضع آخر: (فينبغي للعالم أن يتدبر أنواع هذه المسائل، وقد يكون الواجب في بعضها كما بينته فيما تقدم، العفو عند الأمر والنهي في بعض الأشياء، لا التحليل والإسقاط، مثل أن يكون في أمره بطاعة فعلًا لمعصية أكبر منها، فيُترك الأمر بها دفعًا لوقوع تلك المعصية، فالعالم تارة يأمر وتارة ينهى وتارة يُبيح وتارة يسكت عن الأمر أو النهي أو الاباحة، كالأمر بالصلاح الخالص أو الراجح أو النهي عن الفساد الخالص أو الراجح، وعند التعارض يُرجح الراجح كما تقدم بحسب الإمكان) . اهـ. [مجموع الفتاوى، 20/ 48 - 58] . [المصنف] .

قلت: قول ابن تيمية: (العفو عند الأمر والنهي في بعض الأشياء، لا التحليل والإسقاط) ، يقصد السكوت عن الأمر والنهي في بعض المواضع، وليس تحليل الحرام وإسقاط التكليف عن المكلف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت