فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 302

ومن هنا يتبين سقوط كثير من هذه الأشياء، وإن كانت واجبة أو محرمة في الأصل، لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في الوجوب أو التحريم، فإن العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان واجبًا في الأصل [1] ، والله أعلم) [2] .

فكلام شيخ الإسلام هنا؛ واضح في إباحة التدرج في تبليغ وتطبيق الشريعة الإسلامية شيئًا فشيئًا حال العجز في العلم والعمل حتى يتكامل التطبيق، فكلام المبيحين للتدرج إنما هو في الحال الذي لا يتمكن فيه العالم أو الحاكم من تحكيم الشريعة على وجه الكمال، فيلجأ إلى التدرج في ذلك، أملًا في الوصول إلى الوضع التام، وهو عين فتواه يرحمه الله.

يقول ابن تيمية رحمه الله: (فتبين أن السيئة تُحتمل في موضعين، دفع ما هو أسوأ منها إذا لم تُدفع إلا بها، وتحصل بما هو أنفع من تركها إذا لم تحصل إلا بها [3] ،

(1) ليس المقصود أنه مسقط للأمر والنهي بالكلية، ولكنه مسقط له لحين القدرة والاستطاعة، وقد يسقطه بالكلية في مواضع، فالأمر ليس على إطلاقه.

(2) مجموع الفتاوى، 20/ 35 - 36.

(3) ومن أمثلة ذلك الظلم مع القضاء الشرعي، فقد يكون من الحالات ما لا يمكن فيه إقامة حكم الله - عز وجل - إلا مع شيء من الظلم، فإن حاولنا دفع الظلم دفعنا معه حكم الله تعالى، وذلك كأن يكون القاضي فيه شيء من الفسق، فيقبل الرشوة مثلًا أو يحابي في الحكم، أو يكون لديه شيء من الجهل، فيقع في بعض الظلم بسبب هذا الجهل، وليس في البلد من يمكنه القضاء غيره، فإما أن نقبل بسيئة الظلم رغبة في تحصيل ما هو أنفع منها، وهو إقامة حكم الله تعالى، وإما أن ندفع سيئة الظلم فندفع معها حسنة القضاء الشرعي، فيقع الناس في الحكم بغير ما أنزل الله، أو يُتركون بلا قضاء فتضيع الحقوق، فيحصل من الظلم أضعاف ما كان حاصلًا، ففي هذه الحالة نحتمل سيئة الظلم دفعًا لما هو أسوأ منها وتحصيلًا لما هو أنفع من تركها.

قال العز بن عبد السلام رحمه الله:(قاعدة في تعذر العدالة في الولايات:

إذا تعذرت العدالة في الولاية العامة والخاصة بحيث لا يوجد عدل، وَلَّينَا أقلَّهم فسوقًا، وله أمثلة:

أحدها: إذا تعذر في الأئمة فيقدم أقلهم فسوقًا عند الإمكان، فإذا كان الأقل فسوقًا يُفرط في عُشْر المصالح العامة مثلًا وغيره يفرط في خُمْسها، لم تجز تولية من يفرط في الخُمْس فما زاد عليه، ويجوز تولية من يُفرط في العُشْر، وإنما جوزنا ذلك لأن حفظ تسعة الأعشار بتضييع العُشْر أصلح للأيتام ولأهل الإسلام من تضييع الجميع، ومن تضييع الخُمْس أيضًا، فيكون هذا من باب دفع أشد المفسدتين بأخفهما ...

المثال الثاني: الحكام إذا تفاوتوا في الفسوق قدمنا أقلهم فسوقًا، لأنا لو قدمنا غيره لفات من المصالح ما لنا عنه مندوحة، ولا يجوزُ تفويتُ مصالح الإسلام إلا عند تعذر القيام بها، ولو لم يُجَوَّزَ هذا وأمثاله لضاعت أموال الأيتام كلها، وأموال المصالح بأسرها. وقد قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ). [قواعد الأحكام، 1/ 121 - 122، بتصرف] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت