فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الصلوات الخمس ولا يصوم شهر رمضان ولا يؤدي الزكاة الشرعية؛ لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه وهو لا يمكنه مخالفتهم [1] ، ونحن نعلم قطعًا أنه لم يكن
(1) ذكرنا أن ابن القيم أورد في كتابه"زاد المعاد"حديثًا عن ذهاب عمرو بن العاص رضي الله عنه بكتاب النبي صلى الله عليه وسلمإلى ملك عُمَان، وفيه ما يدل على عدم ضعف النجاشي أو خوفه، فقد جاء فيه أن النجاشي خالف هرقلًا حين أسلم، ولم يخشه، وهو - أي هرقل - من هو في ملكه وجبروته. قال عمرو: (ثم قال - أي عبد: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي، قلت: بلى، قال: بأي شيء علمتَ ذلك؟، قال: كان النجاشي يُخْرِجُ له خَرْجًا، فلما أسلم وصَدَّقَ بمحمد(، قال: لا والله، لو سألني درهمًا واحدًا ما أعطيته) ، ولاشك أن من لم يخش هرقل فإنه لا يُعقل أن يخشى قومه، بل قد جاء ما يدل على تحدي النجاشي لقريش وعدم خوفه منهم، فقد روى أحمد في مسنده (1740) خبرًا طويلًا عن أم سلمة رضي الله عنها، بإسناد صححه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله، وفيه أن قريشًا أرسلت عمرو بن العاص السهمي وعبد الله بن أبي ربيعة المخزومي إلى النجاشي، ومعهما الهدايا ليرجعا بالمسلمين إلى مكة، فدخلا على بطارقته، فدفعا إليهم الهدايا وطلبوا منهم أن يشيروا على النجاشي بتسليم المسلمين ولا يكلمهم، ثم دخلا على النجاشي فقربا هداياهما إليه، وكلماه في رد المسلمين، فأرسل إلى أصحاب رسول الله (فدعاهم وسمع منهم، فأخبروه عن الإسلام وصَدَقُوا معه الحديث، وقرأ عليه جعفر رضي الله عنه من سورة مريم، فبكى النجاشي حتى أخْضَلَ - أي بَلَّ - لحيته، وبكت أساقفته حتى أخْضَلَوا مصاحفهم، ثم جاء عمرو بن العاص في اليوم التالي فطلب من النجاشي أن يسمع منهم قولهم في عيسى عليه السلام، فدعاهم وسألهم، فقال له جعفر:(نقولُ فيهِ الذي جاءنا بهِ نبينا، هو عبدُ الله ورسولُهُ وروحُهُ، وكلِمَتُهُ إلى مريمَ العذراءِ البَتُول، قالت - أي أم سلمة: فضربَ النجاشيُّ يده إلى الأرضِ، فأخذ منها عودًا، ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلتَ هذا العود، فتناخرت بطارقَتَهُ حولَه حين قالَ ما قالَ، فقال: وإنْ نخرتم والله، اذهبوا - أي المسلمون - فأنتم سُيُومٌ - أي آمنون، وهي كلمة حبشية - بأرضي، مَنْ سَبَكُم غُرِّمَ، ثم مَنْ سَبَكُم غُرِّمَ، ثم مَنْ سَبَكُم غُرِّمَ، فما أُحِبُّ أن ليَ دَبْرًا - أي جبلًا، وهي كلمة حبشية - من ذهبٍ وإني آذيتُ رجلًا مِنكم، رُدُّوا عليهِما هَداياهُما، فلا حاجةَ لنا بِها، فواللهِ ما أخذَ اللهُ مِنْي الرِشْوَةَ حينَ ردَّ عليَّ مُلكي فآخُذَ الرِشْوَةَ فيهِ، وما أطاعَ الناسَ فيَّ فأُطيعَهُم فيهِ، فخرجا مِنْ عندهِ مقبُوحَينِ مردودًا عليهِما ما جاءا بهِ، وأقمنا عندهُ بخيرِ دارٍ مَعَ خيرِ جارٍ) ، ثم ذكرت خروج من ينازع النجاشي في ملكه، وحزنهم لذلك، وتخوفهم من ظهوره على النجاشي، وأن يأتي رجل لا يعرف من حقهم ما كان النجاشي يعرف منه، فانطلق الزبير بن العوام رضي الله عنه ليحضر الوقعة ويأتيهم بالخبر، قالت: (وَدَعونا الله للنجاشيِّ بالظهورِ على عَدُوِّهِ، والتمكينِ لهُ في بلادهِ، واستَوْسَق عليهِ - أي اجتمع وانتظم وتمكن له - أمرُ الحبشةَ، فكنا عندهُ في خيرِ منزلٍ، حتى قدِمنا على رسول الله(وهو بمكةَ) .
فدلت هذه الأدلة على أن النجاشي لم يكن ضعيفًا، وإنما كان قويًا متمكنًا في أرضه وبلاده، وأنه لم يخش هرقلًا ولا قريشًا ولا قومه وحاشيته ولا من خرج عليه ينازعه في ملكه.