فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 302

كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإن قومه لا يقرونه على ذلك [1] ، وكثيرًا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيًا بل وإمامًا وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وعمر بن عبد العزيز عُودِيَ وأُوذِيَ على بعض ما أقامه من العدل، وقيل: إنه سُمَّ على ذلك. فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا

(1) جاء في نفس الحديث الذي أورده ابن القيم عن عمرو رضي الله عنه أن النجاشي حين قال: (لو سألني درهمًا واحدًا ما أعطيته، فبلغ هرقل قوله، فقال له يَنَّاقُ أخوه: أتدعُ عَبدَكَ لا يُخرج لك خَرْجًَا، ويَدينُ دينًا مُحدثًا؟، قال هرقل: رجلٌ رَغِبَ في دينٍ فاختارهُ لنفسهِ، ما أصنعُ بهِ، والله لولا الضنُّ بملكي لصنعتُ كما صَنَعَ) ، والشاهد في قول هرقل: (والله لولا الضنُّ بملكي لصنعتُ كما صَنَعَ) ، وقد روى البخاري قصة هرقل في صحيحه (7) وما دار بينه وبين أبي سفيان من حديث حول النبي صلى الله عليه وسلموبعثته، والحديث طويل، وفيه: (فَأَذِنَ هرقلُ لعظماءِ الروم في دسكرةٍ - بناء ضخم يشبه القصر يتخذه الملوك، حوله بيوت فيها الشراب والملاهي - له بحمص، ثم أمر بأبوابها فَغُلِّقَت، ثم اطَّلع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاحِ والرشدِ وأَنْ يَثْبُتَ مُلكَكُم فتُبايعوا هذا النبي، فحاصوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوحشِ إلى الأبواب، فوجدوها قد غُلِّقَت، فلما رأى هرقلُ نُفرَتَهُم وأَيِسَ من الإيمان، قال: رُدُّوهم عليَّ، وقال: إني قلتُ مقالتي آنفًا أختبر بها شِدِّتَكُم على دِينِكُم، فَقد رأيتُ، فَسَجَدُوا لَهُ، ورَضُوا عَنْهُ) ، فالذي منع هرقل من الدخول في الإسلام هو خوفه من قومه وأن يضيع ملكه، كما قال: (والله لولا الضنُّ بملكي لصنعتُ كما صَنَعَ) ، فلم يكن ذلك بعذرٍ له، ولهذا فإنه كذلك لا يكون عذرًا للنجاشي، فإن عدم إقرار قومه له في الحكم بالقرآن ليس بعذر في تركه بالكلية - ولاشك أن شيخ الإسلام لا يقصد ذلك المعنى كما أشرنا، ولكن البعض يفهم ذلك خطأ من كلامه، فلزم التنبيه، وسيأتي في نهاية حديثه ما يبين ذلك -، فيُعلم من هذا أن النجاشي حكم بالقرآن، وأنه لم يُطع أحدًا في ترك الحكم بالقرآن، إذ لو أطاعهم في ذلك لما عذره الله - عز وجل -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت