فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
يقدرون على التزامه، بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها) [1] اهـ.
(1) مجموع الفتاوى، 19/ 117.
قلت: قول شيخ الإسلام ابن تيمية عن النجاشي وأمثاله: (بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها) يبين مقصوده من كلامه عن النجاشي وأنه كان يحكم بما استطاعه، وقد تقرر لدينا أن الاستطاعة تتعلق بالعلم والعمل، لا بالعمل وحده، وقد نقل المصنف قولًا لشيخ الإسلام قرر فيه أن التكليف مشروط بالقدرة على العلم، كما أنه مقرون بالقدرة على العمل، وهذا في قوله رحمه الله: (فمن استقرأ ما جاء به الكتاب والسنة تبين له أن التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل، فمن كان عاجزًا عن أحدهما سقط عنه ما يعجزه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) [مجموع الفتاوى، 21/ 359] .
فأما القدرة على العلم فإنها كانت في حق النجاشي أضعف منها على العمل، ولهذا قد يقال إن عدم التزام النجاشي ببعض شرائع الإسلام إنما كان لعجزه عن العلم بها، وهذا مُتَجِهٌ، وذلك لبعده عن موطن رسول الله (حيث يتنزل الوحي عليه، سواء في مكة، أو المدينة بعد هجرته إليها، بالإضافة لمشقة تراسله مع النبي صلى الله عليه وسلم، وبطء ذلك وتأخره إن أراده، بخلاف الحال في زماننا، فترتب على ذلك نقص في العلم اقتضى عدم القيام بالعمل، وهو معذور في ذلك - أي في عدم العمل - لجهله بأحكام الشرع، وهو جهل يتعذر دفعه.
وقد نقلنا عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله في توجه النجاشي للصلاة إلى بيت المقدس: (لم يبلغه خبر النسخ لبُعدِ البلاد، فعُذِرَ بهذا كما عذر أهل قباء وغيرهم، فإن القبلة لما حُوِّلَتْ لم يبلغ الخبر إلى من بمكة من المسلمين، ومن كان بأرض الحبشة من المهاجرين مثل جعفر وأصحابه) . ومما يدل على ذلك ما رواه البخاري [1199] ومسلم [34/ 538] عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (كنا نُسَلِّمُ على النبيِّ(وهو في الصلاةِ فيردُ علينا، فلما رَجَعنَا مِنْ عندِ النجاشيِّ سلمنا عليهِ، فلم يردَ علينا، وقالَ: {إنَّ في الصلاةِ شُغْلًا} ) ، واللفظ للبخاري، فهؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلمكانوا بالحبشة، ونزل بعض الوحي وهم هناك، فما علموا به إلا بعد رجوعهم إلى رسول الله (، فعلى هذا يمكن فهم مراد ابن تيمية في قوله:(وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك) ، وغيرها من العبارات التي تحمل نفس المعنى، فالمقصود أن النجاشي حكم بما استطاع مما بلغه من القرآن، وأما ما لم يبلغه فإنه يعذر فيه لعجزه عن العلم به، ومهما حاول البعض تأويل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة النجاشي فإنها تبقى واقعة عين، لا ترقى إلى أن تكون قاعدة عامة، فضلًا عن أن تعارض النصوص العامة القطعية الدالة علي وجوب الحكم بما أنزل الله وكفر من لم يحكم به، فكما هو مقرر لدى الفقهاء أن وقائع الأعيان لا عموم لها.