الموحى إليه احتاج إلى مسايسة الناس، وكذا أصحابه من بعده، فنحن اليوم بحاجة إلى فقه السياسة ليتم لنا البناء سالمًا من تخاذل يتخفى بدعوى الكياسة وفهم السياسة، ومن تعجل يكتسي ثوب الحرص على إقامة الشرع، وإنما يضيع الدين بين جامد يُنَفِّرُ الناس بجموده، وجاحد يُضِلُّهُم بجحوده.
وإذا كان العلم يُوسع الإدراك، ويُثمر رحمة المخالف، فإن الجهل يُضيق مسالك الفكر والفهم، ويُنتج تشنجًا في التصور والعمل والحكم على الناس، والمرء كلما ازداد فقهه في دين الله - عز وجل -، زاد رفقه وحسن ظنه بالمخالفين الذين ينشدون الحق مثله، والوسطية المنشودة - في الفرد والمجتمع - إنما تُنال بأخذ الشريعة كُلًا متكاملًا غير مُجزأة، حينها يظهر جمالها وكمالها وتظهر ثمارها التي تحببها للناس.
وللأسف فإن الشر الأول كان من بعض دواعيه الجهل، أما شر اليوم فجل دواعيه التعالم [1] ، تعالم من علم شيئًا وغابت عنه أشياء، وقد كان الشر يُعرض على الناس باسمه وفي ثوبه الحقيقي، فأصبح يُعرض عليهم باسم الخير وفي ثوب الخير، والمرء حين يتخذ لنفسه قناعات لا يحيد عنها، ولا يقبل المراجعة فيها، قد لا يسلم من هوى يطغيه، أو فساد في الرأي يرديه، والدين الذي بشر المجتهد المخطئ بأجر، لا يقبل التعامي عن الخطأ، والإصرار عليه.
هذه الشريعة المعصومة ليست تكاليفها موضوعة كيفما اتفق لمجرد إدخال الناس تحت سلطة الدين، بل وضعت لتحقيق مقاصد الشارع في قيام مصالح الدين والدنيا معًا.
إن في نصوص الشريعة والتقيد بقواعد الاستنباط على نهج العلماء الربانيين
(1) للشيخ بكر أبي زيد رحمه الله رسالة قيمة ممتعة في هذا الباب، بعنوان:"التعالم".