حق مطابق للواقع، ظنًا منهم منافاتها لقواعد الشرع.
ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول، وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشريعة، وتقصير في معرفة الواقع، وتنزيل أحدهما على الآخر، فلما رأى ولاة الأمور ذلك، وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة، أحدثوا من أوضاع سياستهم شرًا طويلًا وفسادًا عريضًا، فتفاقم الأمر وتعذر استدراكه، وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك واستنقاذها من تلك المهالك.
وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله [1] ، وكلا الطائفتين أُتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله وأنزل به
(1) المقصود أن الناس انقسموا في فهمهم للسياسة الشرعية ومراعاتهم لها إلى قسمين:
قسم رأى التقيد الظاهري بالنص، وأنه لا مصلحة إلا فيما ذكره الشارع ونص عليه صراحة، وأما ما لم يذكره الشارع بنص جزئي خاص، فليس بمصلحة ولا يجوز العمل به سياسةً - وإن كان مندرجًا تحت المصالح العامة الكلية التي أقرتها الشريعة -، وهؤلاء لا يرون العمل بالمصلحة المرسلة، ففرطوا في العمل بالسياسة الشرعية، فكان نتيجة ذلك أن سدوا على أنفسهم وعلى الناس طرقًا صحيحة من طرق السياسة الشرعية فلم يعملوا بها، ظنًا منهم منافاتها لقواعد الشرع، فآل عملهم إلى تعطيل الحدود وضياع الحقوق وجرأة أهل الفجور على الفساد، والذي أوجب لهم هذا الفهم القاصر نوع تقصير في معرفة الشريعة، وتقصير في معرفة الواقع، وتنزيل أحدهما على الآخر، ونتيجة لفهمهم القاصر أصبحت الشريعة في نظر الناس قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها، فرأى بعض الحكام أن أحوال الناس لا يمكن إصلاحها إلا بسياسات أخرى ليست من الشريعة، فاستحدثوا سياسات فاسدة مخالفة للشريعة، فكان نتيجة ذلك الشر والفساد، فتفاقم الأمر وتعذر استدراكه، وبمثل هذه الأفهام القاصرة دخل الدَّخَل على بعض الناس في زماننا، فاتجهوا للنظر في القوانين الوضعية، وانطلت عليهم شبهات العلمانيين وأشباههم في ترويجهم لصلاحية هذه القوانين للحكم، ظنًا منهم أن فيها من السياسات العادلة التي تحقق مصالح الناس وتلبي حاجاتهم ما لا يوجد في السياسات الشرعية، وخاصة مع تغير أحوال الناس وتعقدها وتداخل كثير من المصالح والمفاسد في زماننا.
وقسم آخر من الناس أفرط في العمل بالسياسة الشرعية، وتوسع فيها إلى حد الخروج عنها!، فأدخل فيها ما ليس منها، فجعل كل السياسات شرعية، وكل المصالح معتبرة!، وإن كان كثيرًا منها مما ينافي ويناقض حكم الله ورسوله، فهي عندهم سياسة بلا ضوابط، ومصالح بلا مراعاة لاعتبار الشرع أو إلغائه لها، فوقعوا في مناقضة حكم الله ورسوله باسم حكم الله ورسوله، ومثلهم في زماننا من حكموا بالعلمانية والقوانين الوضعية زاعمين أن حكمهم إسلامي، وشرعوا من دون الله قوانين ظالمة جائرة بدعوى السياسات والسعي في تحقيق المصالح ودرء الفساد.
وكلا الطائفتين أُتِيَتْ من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله وأنزل به كتبه، والحقيقة أن الطائفة الثانية ما هي إلا ردة فعل لفهم الطائفة الأولى القاصر عن إدراك حقيقة السياسة الشرعية، ولو أن الأولين أحسنوا فهم السياسة الشرعية وإدراك حقيقتها، لمنعوا فسادًا عظيمًا أدى إليه سوء فهمهم، من ضلال الناس وانتهاجهم غير حكم الله ورسوله، ظنًا منهم أنه أصلح لهم.
والحاصل أن الفهم الخاطئ لكلا الطائفتين أدى إلى تعطيل كثير من السياسات الشرعية المحققة لمصالح العباد، وخروج الناس عنها إلى سياسات أخرى وضعية ظالمة تجلب المفاسد وتمنع المصالح، وإن توهم البعض عكس ذلك.