فهرس الكتاب
البحث، إذ المتقرر أن الفقير إذا قبض حقه من الزكاة ملكه، والإشكال فقط في هذا الحق، هل يشترط أن يأخذه نقدا أم يجوز نقدا أو عينا.
ثانيا: ليس في الأدلة الأخرى من الكتاب والسنة ما يدل صراحة على اشتراط التمليك، بحيث يعد من لم يُملِّك الفقيرَ لم يفعل ما يجزئ، بل جاء في السنة: (فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ) [1] ، فعبر بـ"في"الدالة على الظرفية، وهذا لا يتأتَّى أن يكون دليلا على اشتراط التمليك، مما يجعل الدليل الوحيد على اشتراط التمليك هو الآية، مع عدم سلامتها!
ثالثا: أنه على تقدير سلامة هذه الأدلة في الدلالة على التمليك، فليس المقصود تمليك النقد، بل كل ما تحصل به المصلحة للفقير، سواء كان نقدا أو عينا.
ولذلك توسع الفقهاء في معنى التمليك ولم يقصروه على دفع النقد، بل كل ما تحصل به المصلحة من عين وغيره.
قال الشافعي:"ولا وقت فيما يعطى الفقير إلا ما يخرجه من حد الفقر إلى الغنى قلَّ ذلك أو كثر".
قال القاضي أبو الطيب:"يريد به أن الغنى هو الكفاية على الدوام، فيدفع إلى كل واحد منهم ما يجعله رأس مال ويكفيه فضله لمؤنة، ومن كان من أهل العلم الذين لا يحسنون التجارة اشترى لهم ما يغلهم كفايتهم على الدوام، ومن كان من أهل الحرفة اشترى لهم آلاتهم" [2] .
قال البهوتي:"ويعطى فقير ومسكين كفاية عمر غالبٍ، فيشتريان بما يعطيانه عقارا يستغلانه، وللإمام أن يشتري له ذلك كما في الغازي، هذا فيمن لا يحسن الكسب بحرفة ولا تجارة" [3] .
(1) أخرجه البخاري (1308) ، ومسلم (27) .
(2) أسنى المطالب 1/ 100.
(3) الإقناع 1/ 213.