فهرس الكتاب
فالمنافع بهذا التوجه ليست أموالًا لأمور:
1 -أن صفة الماليّة للشّيء إنّما تثبت بالتّمول, والتّمول يعني صيانة الشّيء وادّخاره لوقت الحاجة, والمنافع لا تبقى زمانين, لكونها أعراضًا, فكلّما تخرج من حيّز العدم إلى حيّز الوجود تتلاشى, فلا يتصوّر فيها التّمول [1] .
2 -أن المنافع غير متقوِّمة في نفسها؛ لأن التقوم -بمعنى كون الشيء له قيمة مادية بين الناس- لا يسبق وجوده؛ إذ المعدوم لا قيمة له، وليس بشيء، فلا يوصف بأنه متقوِّم، كما أن التقوم بعد الوجود لا يسبق الإحراز، والإحرازُ بعد الوجود لا يتحقق فيما لا يبقى زمانين كالمنافع، فلا تعد متقوّمةً.
3 -أن المنافع ليست كالأعيان، فالعين تبقى وتَقوم بنفسها وتُضمن بمثلها أو بقيمتها، والمنفعة لا تبقى ولا تقوم إلا بالعين ولا تُضمن بمنافع مثلها عند الإتلاف.
وقد طرد الحنفية هذا الحكم بشكل واضح وصريح في مسألتنا، فلو أعطى داره لفقير مستحق للزكاة ليسكنها سنة مثلا، على أن يعدَّ المؤجر أجرتها عن هذه السنة من زكاة ماله، لم يجز عند الحنفية، وقد نص بعضهم على ذلك.
جاء في كشف الأسرار: (حتى لو أسكن الفقير داره سنة بنية الزكاة لا يجزيه؛ لأن المنفعة ليست بعين متقومة، وكذا لو أباحه طعاما بنية الزكاة فأكله الفقير، لا يجزيه عن الزكاة؛ لأنه أكل مال الغير، وبه لا يحصل الغنى) [2] .
بينما نجد أن مذهب الجمهور كون المنافع أموالا، وليس بلازم في المال أن يحرز ويحاز بنفسه، بل يكفي أن يحاز بحيازة أصله ومصدره، ولا
(1) البحر الرائق 5/ 277، ورد المحتار على الدر المختار 4/ 501.
(2) كشف الأسرار 1/ 308.