شك أن المنافع تحاز بحيازة محالها ومصادرها، فإن من يحوز سيارة يمنع غيره أن ينتفع بها إلا بإذنه وهكذا، ويؤيد هذا القول الآتي:
1 -أن الأعيان لا تقصد لذاتها, بل لمنافعها, وعلى ذلك أعراف النّاس ومعاملاتهم، فلا يعهد أن يقدم شخص على شراء سيارة لا تمشي، أو قلم لا يكتب، مما يدل على أن المنفعة هي المقصودة من العقد، ولا يقدم على شراء ما لا ينفع إلا سفيه.
2 -أن الشرع حكم بمالية المنفعة، وقوَّمها كما في عقد الإجارة، وكما أجاز جعل المنفعة مهرًا يجري الاعتياض عليه في عقد النكاح، فجعل عمل موسى عليه الصلاة والسلام -وهو منفعة قطعا- مهرا لابنته: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) القصص 27.
3 -أن في عدم اعتبارها أموالًا تضييعًا لحقوق النّاس، وإغراءً للظّلمة في الاعتداء على منافع الأعيان الّتي يملكها غيرهم, وفي ذلك من الفساد والجور ما يناقض مقاصد الشّريعة وعدالتها.
4 -أنه مما لا خلاف فيه أن العقد يرد على المنفعة، وتصير به مضمونة، سواء أكان العقد صحيحًا أم فاسدًا، وضمان المنفعة دليل على صيرورتها مالًا بالعقد عليها، مع أن العقد لا يجعل ما ليس بمال مالًا، مثلما لا يجعل العقد ما ليس بمتقوم -كالخمر- متقوما، مما يدل على أن المنافع أموال متقوّمة بذاتها، سواء أورد عليها العقد أم لم يَرِد.
الترجيح:
بعد النظر في القولين السابقين، وما ذكر من تعليلات تدعم القولين، يترجح قول الجمهور، القائل بمالية المنافع، وكونه تصلح ثمنا وأجرة؛ لأنه المتفق مع عرف الناس ومعاملاتهم، فهم لا يبتغون الأعيان إلا طلبا لمنافعها، ولأجلها يستعيضونها بالنفيس من أموالهم، وما لا منفعة له لا رغبة فيه ولا طلب له، وإذا طلب عُدَّ طالبُه من الحمقى والسفهاء، وربما حجر عليه.