ثبوت الدليل من الكتاب والسنة، وفي التفريق بين المنهجين يتضح أنه لا يمكن التقاء الرأيين ولذا فالواجب على المعاصرين أن يعرفوا طريقة استدلال الإمام أحمد حتى لا يقعوا في تبديع السلف بلا حجة. بل لعدم قناعتهم بحجة من قال به من خيار الأمة، بل الواجب في مثل هذا أن يتوقفوا في الحكم لا أن يبدعوا؛ لأن كل مجتهد مأجور أصاب أو أخطأ، وصاحب البدعة مأزور غير مأجور.
ومما يؤكد صحة استدلال الإمام أحمد رحمه الله بعمل أهل مكة ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله: ومتى كانت عامة من أهل العلم في دهر بالبلدان على شيء وعامة قبلهم، قيل يحفظ عن فلان وفلان كذا، ولم نعلم لهم مخالفًا نأخذ به ولا نزعم أنه قول الناس كلهم، ثم قال: هذا قول من حفظت عنه من أهل العلم نصًا أو استدلالًا [1] .
فإذا كانت طريقة الإمام أحمد في الاستدلال بعمل أهل مكة متفقة مع طريقة شيخه الشافعي وطريقة من حفظ عنهم الشافعي من أهل العلم، إما نصًا أو استدلالًا، فلا يصح الطعن في هذا المنهج لأنه قد تتابع عليه أهل العلم، الذين يجب الاحتجاج بمناهجهم في فهم الشريعة والاستدلال لها.
وقد عقد ابن حزم رحمه الله فصلًا تحدث فيه عن أسباب اختلاف الأئمة ومما جاء فيه قوله: فلما ولي عمر رضي الله عنه فتحت الأمصار، وزاد تفرق الصحابة في الأقطار، فكانت الحكومة [2] تنزل في المدينة أو في غيرها من البلاد، فإن كان عند الصحابة الحاضرين لها في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثر حكم به،
(1) انظر: اختلاف الحديث، حاشية الأم 7/ 147.
(2) المراد بالحكومة: القضية.