والصلاح، أن يأخذوا لأنفسهم في مثل هذا بأصل الاحتياط في الدين، وبمقام الورع! وفي الحديث الصحيح: (خْيرُ دِينِكُم الوَرَعُ!) [1]
ومن الأمور الربوية التي عم جهلها في هذا العصر، حتى لابسها بعض أهل الدين والصلاح! ما يعرف عند الفقهاء بـ"الربويات الستة". وهي: (الذهب والفضة، والقمح، والشعير، والتمر، والملح) . وما ينوب عنها من النقديات المالية، ومن المطعومات الاقتياتية، مما هو داخل في معنى"المواد الضرورية للتغذية"، مما جرت به الأعراف والعادات في هذا الزمان، على حسب المناطق والشعوب. وهو ما ورد متواترَ المعنى في عدة أحاديث نبوية صحيحة، منها هذا النص الجامع المانع، من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الذَّهَبُ بَالذَّهَبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والْبُرُّ بِالْبُرِّ، والشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، والتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، والْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أرْبَى! وَالآخِذُ وَالْمُعْطِي سَواءٌ!) [2]
(1) أخرجه البزار، والطبراني في الأوسط، والحاكم عن حذيفة مرفوعا، كما أخرجه الحاكم عن سعد مرفوعا أيضا. وصححه الألباني، حديث رقم: 4214 في صحيح الجامع.
(2) أخرجه مسلم. ومعناه الإجمالي: أنه لا يجوز استبدال ذهب بذهب، ولا فضة بفضة، إلا بشرطين اثنين. الأول: أن يكونا متساويين، والثاني: أن يتم التبادل يدا بيد، أي بدون تأخير في القبض أو العطاء من أحد الطرفين. وكذلك الأمر في سائر المطعومات الأربعة، إذا كانت البضاعة من صنف واحد، أي قمحا بقمح، أو شعيرا بشعير ... إلخ. أما إذا اختلفت الأصناف كذهب بفضة، أو كقمح بشعير أو بتمر، فيجوز التفاضل أي بزيادة في أحد الطرفين، ولكن لا تجوز النسيئة، وهي تأخير أحدهما قبضا أو عطاء. بل لا بد من تمام التقابض في المجلس.
ويقاس على الذهب والفضة النقود المعاصرة، فما يشترط في الصنف الواحد منهما يشترط في الصنف الواحد من العملات الآن. وكذلك إذا اختلفت الأصناف النقدية كاستبدال عملة بأخرى غيرها، جاز آنئذ التفاضل وامتنع التأخير. كما يُقاس الْمُقْتَاتُ الْمُدَّخَرُ من المواد الغذائية المختلفة اليوم على ما ذُكر في الحديث، كالأرز مثلا بالنسبة للبلاد التي تقتات به، فيجري عليه نفس الحكم مع نفسه، ومع غيره من المواد الغذائية الضرورية لقوت الناس، على حسب العرف والعادة الجارية. فكل ذلك يجري على القاعدة المذكورة أعلاه.
هذا معناه العام على الإجمال دون تفصيل. وإنما القصد ههنا التنبيه. وفيه اجتهاداتٌ مختلفةٌ تعليلًا وتنزيلًا، لدى القدماءِ والْمُحْدَثِينَ. وله نوازل لا تنحصر، والواجب على المؤمن أن يرجع فيما يُلِمُّ بِهِ من ذلك إلى استفتاء ثقاة العلماء. فلا يُقْدِمُ على عَمَلٍ حتى يعلم حكم الله فيه.