وقد غلظ القرآن العقوبة لمن لا يحترم أمهات المؤمنين فيرمي إحداهن بفاحشة أو سوء لأن في ذلك إيذاء مباشرًا للنبي، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) } [النور: 23] ، فهذه الآية نزلت في عائشة خاصة وفي أمهات المؤمنين عامة، فرضي الله عنهن أجمعين.
إذا كانت للنبي الولاية العامة على المؤمنين، وكان أعرف بمصالحهم من أنفسهم وحريصا على منفعتهم أشد الحرص، فيجب اتباع أوامره ويحرم عصيانه ولهذا قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36) } [الأحزاب: 36] فهذه الآية مناسبة لأحد محاور السورة الأساسية المتعلقة بمكانة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهي تبين أن طاعة الرسول فرض على كل مؤمن ومؤمنة، وأن عصيان أمره هو عصيان لأمر الله تعالى، فالمؤمن الحقيقي يبادر للطاعة دونما تردد.
وتمضي الآية تقول: ولا ينبغي لمؤمن ولا مؤمنة إذا حكم الله ورسوله في أنفسهم حُكمًا أن يتخيروا من أمرهم غير الذي قضى فيهم أو أن يخالفوه، ومن يعص الله ورسوله فقد بَعُدَ عن طريق الصواب بُعْدًا ظاهرًا وحاد عن قصد السبيل وسلك غير سبيل الهدى والرشاد، فهذه الآية تؤكد التسليم لله والرسول - صلى الله عليه وسلم - في كل ما أمر به أو نهى عنه، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن يعص الرسول فقد عصى الله تعالى، ثم يعرض القرآن لنموذج عملي في تطبيق الطاعة للرسول فها هي زينب أم المؤمنين قد أطاعت الله ورسوله حقا فسلمت أمرها لله وللرسول وتزوجت بزيد طاعة لله ولرسوله، ثم كافأها الله تعالى بأن تزوجت بسيد الخلق محمد - صلى الله عليه وسلم -، فقد ثبت في سبب نزول قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ ... } [الأحزاب: 36] ، عن قتادة قال: (( خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - زينب وهي بنت عمته وهو يريدها لزيد، فظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} فرضيت وسلمت ) ) (42) .
إن الآيات المتعلقة بزواج النبي من السيدة زينب بعد أن طلقها زيد تثبت منع التبني في الإسلام، وتؤكد قاعدة اجتماعية، وهي أنه لا فرق بين الناس بسبب أنسابهم وأن التفاضل بينهم يكون بالتقوى، ولهذا ناسب أن يتزوج زيد زينب التي تفوقه نسبا، وناسب أن يتزوج بلال الحبشي أخت عبد الرحمن بن عوف، وهذه القاعدة أكدها القرآن الكريم في آيات أخرى تؤكد الأصل الواحد للإنسانية والمساواة بين الناس في الخلق، وذلك مثل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) } [الحجرات: 13] .