فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 41

المبحث الثاني: ولاية النبي - صلى الله عليه وسلم - العامة على المؤمنين:

قال الله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (6) } [الأحزاب: 6] .

إن ولاية النبي العامة على المؤمنين لها علاقة وثيقة بمكانة النبي السامية عند الله تعالى وكذلك هي من خصوصياته، ولما منع الإسلام التبني ناسب أن يبين ماهية ولاية النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنسبة لزيد بن حارثة خاصة والمؤمنين عامة، فبين القرآن أن هذه الولاية هي ولاية عامة على كل المؤمنين، وأنه - صلى الله عليه وسلم - أولى بهم من أنفسهم، وعليهم أن يقدموه على أنفسهم، لأنه السبب في إخراجهم من الظلمات إلى النور، فعلاقته - صلى الله عليه وسلم - بالمؤمنين أعظم من أي علاقة فهو رحيم ورؤوف بهم.

وكذلك قررت الآية أمومة أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - الروحية للمؤمنين وذلك حرمة له - صلى الله عليه وسلم - وتشريفا لقدره. وقد جعل الله تعالى ولاية النبي - صلى الله عليه وسلم - عامة على المؤمنين لأنه يستحق هذه المكانة وهو أولى بهم من أنفسهم في كل أمور الدين والدنيا لأنه أعلم بمصالحهم وأحرص عليهم من أنفسهم فهو كما وصفه الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) } [التوبة: 128] ، فقد جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين حرص الوالد على مصلحة ولده وعطف الأم ورحمتها بأولادها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّهُ سمع رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( إنما مَثَلِي وَمَثَلُ الناس كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فلما أَضَاءَتْ ما حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ التي تَقَعُ في النَّارِ يَقَعْنَ فيها فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فيها فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عن النَّارِ وأنتم تَقَحَّمُونَ فيها ) ) (38) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( ما من مُؤْمِنٍ إلا وأنا أَوْلَى بِهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ اقرؤوا إن شِئْتُمْ {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ من كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أو ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلاهُ ) ) (39) ، وقال - صلى الله عليه وسلم: (( إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم ) ) (40) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - أيضا: (( لا يُؤْمِنُ أحدكم حتى أَكُونَ أَحَبَّ إليه من وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) ) (41) . وهذه الولاية العامة تكون في الدنيا ولها أثر عظيم في الآخرة، أما في الدنيا فقد بينتها الأحاديث السابقة، وأما أثرها في الآخرة فهي تتضح بشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - للمؤمنين.

وقد قرن الله تعالى بين ذكر ولاية النبي العامة على المؤمنين وبين جعل أزواجه أمهات للمؤمنين في قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} للدلالة على أن كل من اتصل بهذا النبي بصلة ما صارت له أهمية واحترام، وأولى من تكون له هذه المكانة والأهمية هن أزواجه، فجعلهن الله تعالى أمهات للمؤمنين من حيث حرمة التزوج بهن بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن حيث احترامهن وتقديرهن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت