خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 214] ، فأحسن الله الثناء عليهم بذلك من يقينهم وتسليمهم لأمره فقال: وما زادهم اجتماع الأحزاب عليهم إلا إيمانا بالله وتسليما لقضائه وأمره ورزقهم به النصر والظفر على الأعداء )) (74) .
وفي إظهار اسم الله واسم الرسول في قوله: {وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} زيادة تعظيم لله تعالى فلم يقل: وصدقا. وذكر الصدق هنا تأكيد للوعد الذي وعدهم الله تعالى ورسوله به، قال ابن عطية: هذا (( ليس إشارة إلى ما وقع فإنهم كانوا يعرفون صدق الله قبل الوقوع، وإنما هي إشارة إلى بشارة، وهو أنهم قالوا: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ} وقد وقع، وصدق الله في جميع ما وعد فيقع الكل مثل فتح مكة وفتح الروم وفارس ) ) (75) . وشأن المؤمن أن يزداد إيمانه ويسلم أمره لله تعالى كلما رأى آية من آيات الله الكونية أو القرآنية. وقد جمع الله تعالى لهم بين وصفي الإيمان الذي هو التصديق القلبي، والإسلام من خلال كلمة (( تسليما ) )التي هي صيغة مبالغة من الإسلام، ليشير إلى أنهم سلموا لقضاء الله وقدره بجميع جوارحهم (76) .
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تخيير النبي - صلى الله عليه وسلم - لزوجاته ودلالة ذلك على مكانته
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29) } [الأحزاب: 28 - 29] .
لما فتح الله تعالى على نبيه الدنيا فأورث المسلمين أرض اليهود وديارهم وأموالهم، ظن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - أن النبي سيوسع عليهن في النفقة كسائر النساء المؤمنات، فشكلن جبهة داخلية واجهها النبي بصبر وأناة مثلما واجه جبهة الأحزاب الخارجية ليكون الأسوة الحسنة لكل مؤمن، فقد بينت هاتان الآيتان الكريمتان كيفية تعامل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أسرته، ومقام النبي الزوج، وهو الذي كان يقول: (( خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ) ) (77) .
وقد ذكر أهل التفسير أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - سألنه شيئا من عرض الدنيا وطلبن منه زيادة النفقة وآذينه بغيرة بعضهن على بعض، فآلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهن شهرًا وصعد إلى غرفة له فمكث فيها، فنزلت هذه الآية، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعرض الآية عليهن فبدأ بعائشة فقال: (( يا عَائِشَةُ إني أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا أُحِبُّ أَنْ لاَ تَعْجَلِي فيه حتى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ ) )، قالت: وما هو يا رَسُولَ اللَّه؟ ِ فَتَلاَ عليها الآيَةَ، قالت: أَفِيكَ يا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ؟ بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ لا تُخْبِرَ امْرَأَةً من نِسَائِكَ