تعالى للذين تقلقلوا وتضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (68) .
ومعنى الأسوة الحسنة كما يقول الزمخشري: إما أنه في نفسه أسوة حسنة أي قدوة وهو المقتدى به، وإما أن فيه خصلة من حقها أن يؤتسى بها وتتبع وهي المواساة بنفسه (69) ، ولهذا قال البغوي: (( اقتداء حسن أن تنصروا دين الله وتوازنوا الرسول ولا تتخلفوا عنه وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو، إذ كسرت رباعيته وجرح وجهه وقتل عمه وأوذي بضروب من الأذى، فواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك أيضا واستنوا بسنته ) ) (70) .
والذي يقتدي برسول الله ويتخذه قدوة حسنة إنما هو ذاك المؤمن الذي يرجو ثواب الله تعالى ويخافه ويرجو الثواب يوم القيامة ويخاف عذاب الله تعالى فيه، والمؤمن الصادق يذكر الله تعالى كثيرا فإن مَنْ ذكر الله كثيرا خافه ولان قلبه {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23] ، وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) } [الأنفال: 2] ، وذِكرُ الله يؤدي لملازمة الطاعة ومن ثم يلزم عنها محبة رسوله - صلى الله عليه وسلم - والاقتداء به، وفي ذكر هذه الصفات رد على المنافقين الذين لم يقتدوا برسول الله حيث لم يتوفر لديهم الرجاء في ثواب الله تعالى والخوف من عذابه وهم لا يذكرون الله إلا قليلا.
وقد ضرب لنا أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - مثلا عظيما في حسن اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - والالتزام بسنته السنية، فمثلا: (( عن مَعْبَدٍ الجهني عن حُمْرَانَ بن أَبَانَ قال: كنا عِنْدَ عُثْمَانَ بن عَفَّانَ رضي الله عنه فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، فلما فَرَغَ من وُضُوئِهِ تَبَسَّمَ، فقال: هل تَدْرُونَ مِمَّ ضَحِكْتُ؟ قال: فقال: تَوَضَّأَ رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كما تَوَضَّأْتُ، ثُمَّ تَبَسَّمَ، ثُمَّ قال: هل تَدْرُونَ مِمَّ ضَحِكْتُ؟ قال: قُلْنَا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قال: إن الْعَبْدَ إذا تَوَضَّأَ فَأَتَمَّ وُضُوءَهُ، ثُمَّ دخل في صَلاَتِهِ فَأَتَمَّ صَلاَتَهُ، خَرَجَ من صَلاَتِهِ كما خَرَجَ من بَطْنِ أُمِّهِ مِنَ الذُّنُوبِ ) ) (71) .
أما قوله تعالى: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) } [الأحزاب: 22] : فبعدما بين الله تعالى حال المنافقين ذكر حال المؤمنين وهو أنهم قالوا: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ} من الابتلاء، ثم قالوا: {وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} ، في مقابلة قول المنافقين: {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب: 12] (72) ، فلما عاين المؤمنون جماعات الأحزاب قادمة بحماسة لمحاربتهم علموا أنهم سيبتلون بشدائد عظيمة وأنهم سينتصرون في النهاية على الأحزاب (73) ، وزادهم هذا الأمر إيمانا بالله تعالى حيث عاينوا ما وعدهم الله حسا في عالم الشهادة بعد أن سبق أنْ أخبرهم به قبل وقوعه، وزادهم تحقق هذا الوعد تسليما بما يخبرهم به الله ورسوله من أمور غيبية أو غيرها، قال الطبري: (( وعدهم بقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ