من زينتكن ما ليس لكُنَّ أن تبدينه، أو تتركن الحجاب أمام مَن يجب عليكن الاحتجاب منه، والْزَمْنَ طاعته إن الله كان على كل شيء شهيدًا، يشهد أعمال العباد ظاهرها وباطنها، وسيجزيهم عليها.
يقول الطبري: (( فاتقين الله في أنفسكن لا تلقين الله وهو شاهد عليكن بمعصيته وخلاف أمره ونهيه فتهلكن فإنه شاهد على كل شيء ) ) (108) . فقد توج الله تعالى آية الحجاب واستثناء المحارم بالأمر بالتقوى، كأنه قال: اقتصرن على هذا، واتقين الله فيه أن تتعدينه إلى غيره.
وأما في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ ... } [الأحزاب: 59] فقد قررت الآية وجوب الحجاب ليس على نساء النبي وبناته بل على كل مؤمنة، وقد وجه الخطاب أولا للنبي ونسائه ليعلم أنه - صلى الله عليه وسلم - هو أول من يكون مكلفا بتطبيق أحكام الشريعة على أهل بيته فهو الأسوة الحسنة لكل مؤمن ومؤمنة لذا يجب الاقتداء به.
ونرى من هذه الآية أن الهدف الحقيقي من وراء الحجاب هو تحصين المرأة ومنع الأذى عنها، وخصوصًا عن أمهات المؤمنين اللواتي هن أطهر النساء اللواتي كرمهن الله بالزواج من خير البشر محمد - صلى الله عليه وسلم -. ونلاحظ من الآيات السابقة والتشريعات المتعددة في السورة أن الله تعالى قد طهر هذا النبي واجتباه، وطهر زوجاته وآل بيته وأذهب عنهم الرجس، وحرم إيذاءهم بأي نوع من الأذى القولي أو الفعلي.
قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) } [الأحزاب: 56] .
ورد من أول هذه السورة آيات عديدة بينت مكانة النبي - صلى الله عليه وسلم - الرفيعة عند الله تعالى، وبينت بعض خصوصياته، ولكن في هذه الآية قد بلغ المدح الذروة، قال الطبرسي: (( لما صدر سبحانه هذه السورة بذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقرر في أثناء السورة ذكر تعظيمه، ختم ذلك بالتعظيم الذي ليس يقاربه تعظيم ولا يدانيه ) ) (109) ، فالله تعالى يشرف النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآية، ويبين منزلته عنده، ثم يظهر سوء فعل من نوى الإساءة لأزواجه ونحو ذلك (110) .
فالله تعالى يثني على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الملائكة المقربين ويباركه ويرحمه، وملائكته يثنون على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدعون له، وأكد الله تعالى تمجيده - صلى الله عليه وسلم - بصيغة (إِنَّ) ، وبالجملة الاسمية لتفيد الدوام وعدم الانقطاع، وبذكر اسم (اللَّهَ) تعالى، وبذكر الفعل المضارع (يُصَلُّونَ) الذي يفيد تجدد الثناء. ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بأن يصلوا على رسول